علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

65

ثمرات الأوراق

عبد الملك من الموافقة وشرب الخمر - ولم يكن شربها قطّ - ولباسه ما ليس من لبسه من ثياب المنادمة ، أم إقدام جعفر على الرّشيد بما أقدم ، أم إمضاء الرّشيد جميع ما حكم به جعفر عليه ! * * * ومن لطائف المنقول ما حكي عن أبي معشر البلخيّ المنجّم الإمام المصنّف صاحب التّصانيف المفيدة في علم النّجوم ، قيل : إنّه كان متّصلا بخدمة بعض الملوك وإنّ ذاك الملك طلب رجلا من أتباعه وأكابر دولته ليعاقبه بسبب جريمة صدرت منه ؛ فاستخفى ، وعلم أنّ أبا معشر يدلّ عليه بالطّريقة التي يستخرج بها الخبايا والأشياء الكامنة ، فأراد أن يعمل شيئا حتى لا يهتدي إليه ، ويبعد عنه حدسه ، فأخذ طستا ، وجعل فيه دما ، وجعل في الدّم هاون ذهب ، وقعد على الهاون أياما ، وتطلّبه الملك وبالغ في الطّلب ، فلمّا عجز عنه أحضر أبا معشر وطلب إظهاره ، فعمل المسألة التي يستخرج بها ، وسكت زمانا حائرا ، فقال له الملك : ما سبب سكوتك وحيرتك ؟ فقال : أرى شيئا عجيبا ، فقال : وما هو ؟ قال : أرى الرّجل المطلوب على جبل من ذهب ، والجبل في بحر من دم ، ولا أعلم في العالم موضعا على هذه الصّفة ، فقال له : أعد نظرك ، ففعل ، ثم قال : ما أرى إلّا ما ذكرت ، وهذا شيء ما وقع لي مثله ، فلمّا أيس الملك من تحصيله ، نادى في البلد بالأمان للرجل ، ولمن أخفاه . فلمّا اطمأنّ الرجل ظهر ، وحضر بين يدي الملك ، فسأله عن الموضع الذي كان فيه ، فأخبره بما اعتمده « 1 » ، فأعجبه حسن احتياله في إخفاء نفسه ، ولطافة أبي معشر المنجّم في استخراجه . وله غير ذلك من الإصابات . قال قاضي القضاة شمس الدين بن خلّكان : ومما يناسب هذا من فطن المتطبّبين ما رواه الحسين بن إدريس الحلوانيّ : قال : سمعت الإمام محمّد بن إدريس الشّافعيّ رضي اللّه عنه يقول : ما أفلح سمين إلّا أن يكون محمد بن الحسن ، قيل له : ولم ذلك ؟ قال : لأنّه لا يعدو العاقل إحدى خلّتين ؛ إمّا أن يهتمّ لآخرته ومعاده ، أو لدنياه ومعاشه ؛ والشّحم مع الهمّ لا ينعقد . ثمّ قال : وكان بعض ملوك الأرض قديما كثير الشّحم ، لا ينتفع بنفسه ، فجمع الحكماء وقال ؛ احتالوا لي بحيلة يخفّ عنّي لحمي هذا قليلا ، قال : فما قدروا له على شيء ، فجاءه رجل عاقل لبيب متطبّب ، فقال : عالجني ولك الغنى ، قال : أصلح اللّه الملك ! أنا طبيب منجّم ! دعني حتّى أنظر اللّيلة

--> ( 1 ) ج ، ط : « اعتمد عليه » .