علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

54

ثمرات الأوراق

كوسجا « 1 » ، دخل عليّ وأخذ بعضادتي الباب ، وقال : أنشدني أحسن ما قلت في الخمر ، فقلت : ما ترك أبو نواس لأحد شيئا في هذا الباب ، فقال : أنا أشعر منه ، فقلت : ومن أنت ؟ قال : أبو ناجية من أهل الشام ؛ وأنشدني : وحمراء قبل المزج صفراء بعده * بدت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلّطوا * عليها مزاجا فاكتست لون عاشق فقلت له : أسأت ، قال : ولم ؟ قلت : لأنّك قلت « وحمراء » ، فقدّمت الحمرة ثم قلت : « بين ثوبي نرجس وشقائق » ، فقدّمت الصّفرة ، فقال : ما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض ! وأبو ناجية من كنى إبليس . قال قاضي القضاة شمس الدين محمد بن خلّكان في تاريخه : وفي رواية أخرى : أنّ الشّيخ أبا علي الفارسي [ النحوي ] قال . أنشدني ابن دريد هذين البيتين ، وقال : جاءني إبليس في المنام . . . ثم ذكر بقية الكلام « 2 » . ونقل ابن خلكان وغيره أن أبا بكر بن قريعة قاضي السّنديّة وغيرها من أعمال بغداد . كان من عجائب الدّنيا في سرعة البديهة بالأجوبة عن جميع ما يسأل عنه في أفصح لفظ وأملح سجع ، وكان مختصّا بحضرة الوزير أبي محمّد المهلّبيّ ومنقطعا إليه ، وله مسائل وأجوبة مدوّنة في أيدي النّاس ، وكان رؤساء ذلك العصر والعلماء والفضلاء يداعبونه ، ويكتبون له المسائل الغريبة المضحكة ، فيكتب الأجوبة من غير توقّف ، ولا يكتب إلا مطابقا لمّا سألوه . وكان الوزير المذكور يغري به جماعة يصنعون له المسائل الهزليّة ؛ من معان شتى من النّوادر . فمن ذلك ما كتب إليه بعض الفضلاء على سبيل الامتحان : ما يقول القاضي - أيّده اللّه تعالى - في رجل سمّى ولده مداما ، وكنّاه أبا الندامى ، وسمّى ابنته الرّاح ، وكنّاها أم الأفراح ، وسمّى عبده الشراب ، وكنّاه أبا الأطراب ، وسمّى وليدته القهوة ، وكنّاها أمّ النّشوة ، أينهى عن بطالته ، أم يؤدّب على خلاعته ؟ فكتب تحت سؤاله « 3 » : لو نعت « 4 » هذا لأبي حنيفة ، لأقعده خليفة ، وعقد له راية ، وقاتل من تحتها من خالف رايه ، ولو علمنا مكانه ، لقبّلنا أركانه ؛ فإن أتبع هذه الأسماء أفعالا ، وهذه الكنى استعمالا ، علمنا أنه أحيا دولة المجون ، وأقام لواء ابنة الزّرجون « 5 » ، فبايعناه

--> ( 1 ) الكوسج : الذي لا شعر في عارضيه . ( 2 ) ابن خلكان 1 / 497 . ( 3 ) في د « السؤال » . ( 4 ) ط : « بعث » . ( 5 ) الزرجون : الخمر .