علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

52

ثمرات الأوراق

نكتة لطيفة اتفق أن الملك المعظّم عزم على الصيد ، فقال له بعض جماعته : يا مولانا ؛ إنّ القمر في العقرب ، والسفر فيه مذموم ، والمصلحة أن تصبر إلى أن ينزل القمر القوس . فعزم على الصّبر ، فبينما هو مفكّر إذ دخل عليه مملوك له من أحسن الناس وجها ، فوقف أمامه وقد توشّح بقوس ، فقال له بعض الحاضرين : باللّه يا مولانا اركب في هذه الساعة ، فهذا القمر قد حلّ في القوس حقيقة ، فقام لوقته ، وركب استبشارا بالقول ، فلم ير أطيب من تلك السّفرة ، ولا أكثر من صيدها . * * * ومن غريب المنقول ما حكى إسحاق النّديم ، عن أبيه ، قال : استأذنت الرشيد أن يهب لي يوما من الجمعة لا يبعث فيه [ إليّ بوجه ولا سبب لأخلو فيه ] « 1 » بجواريّ وإخواني ، فأذن لي في يوم السبت وقال : هو يوم أستثقله ، فاله فيه بما شئت . قال : فأقمت يوم السبت بمنزلي ، وتقدمت لإصلاح طعامي وشرابي ، وأمرت بوّابي بإغلاق الباب وتقدمت إليه في ألّا يأذن لأحد من الناس في الدخول عليّ ، فبينما أنا في مجلسي والجواري قد حففن بي ، إذا أنا بشيخ عليه هيئة وجمال ، وعلى رأسه قلنسوة ، وبيده عكّازة مطعّمة بالفضة ، وروائح الطّيب تفوح منه ، فداخلني ، لدخوله عليّ مع ما قدّمت من الوصيّة غيظ عظيم ، وهممت بطرد بوّابي ومن يحجبني لأجله ، فسلم عليّ أحسن سلام ، فرددت عليه : وأمرته بالجلوس ، فجلس ، وأخذ [ بي ] في أحاديث الناس وأيّام العرب وأشعارهم ، حتى سكن ما بي ، فظننت أن غلماني قصدوا مسرّتي بإدخاله عليّ ؛ لظرفه وأدبه . فقلت له : هل لك في الطعام ؟ فقال : لا حاجة لي به ، فقلت : هل لك في الشّراب ؟ فقال : ذاك إليك ، قال : فشربت رطلا ، وسقيته مثله فقال : يا أبا إسحاق ؛ هل لك في أن تغنّي فنسمع منك ما فقت به على العامّ والخاصّ ؟ قال : فغاظني منه ذلك ، ثم سهّلت الأمر على نفسي ، وأخذت العود ، وضربت وغنّيت ، فقال : أحسنت يا إبراهيم ، فازددت غيظا ، وقلت : ما رضي بما فعله حتى سماني باسمي ، ولم يحسن مخاطبتي ! ثم قال : هل لك في أن تزيدنا ونكافئك ؟ فقال : فتذممت وأخذت العود فغنّيت ، وتحفّظت وقمت بما غنّيته إياه قياما تامّا ، فطرب ، وقال : أحسنت يا سيّدي ! ثم قال : أتأذن لعبدك في الغناء ؟ فقلت : شأنك ؛ واستضعفت عقله كيف سوّلت له

--> ( 1 ) زيادة من كتاب الأغاني .