علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

33

ثمرات الأوراق

شمس الدين بن خلّكان رحمه اللّه ، الملك المسعود بن الملك الظّاهر ، وكان قد تيّمه حبّه ، وكنت أنام عنده بالعادليّة ، فتحدّثنا في بعض الليالي إلى أن ذهبت الناس ، فقال لي : نم أنت ها هنا - وألقى عليّ فروة قرظ - وقام يدور حول بركة العادلية ، ويقول في دورانه : أنا واللّه هالك * آيس من سلامتي « 1 » أو أرى القامة الّتي * قد أقامت قيامتي وقيل : إن قاضي القضاة شمس الدين المشار إليه - رحمه اللّه - سأل بعض أهل دمشق المحروسة - وكان المسؤول من خواصّ أصحابه - عن ترجمته عند أهل دمشق ، فاستعفاه من ذلك ، فألحّ عليه ، فقال : أمّا العلم والفضل فهم مجمعون عليه ، وأمّا النسب فيدّعون فيه الادّعاء ، ويقولون : إنّ مولانا يأكل الحشيشة ، ويحبّ الغلمان . فقال : أمّا النّسب والكذب فيه فهذا نوع من الهذيان ، ولو أردت أن أنتسب إلى العباس ، أو إلى عليّ بن أبي طالب ، أو إلى أحد من الصحابة لأجازوا ذلك . وأمّا النّسب إلى قوم لم يبق منهم بقيّة ، وأصلهم فرس مجوس ، فما فيه فائدة . وأما الحشيشة فالكلّ ارتكاب محرّم ، وإذا كان ولا بدّ فكنت أشرب الخمر فإنّه ألذّ ؛ وأمّا محبّة الغلمان فإلى غد أجيبك عن المسألة . ومما يناسب لطيفة قاضي القضاة شمس الدين ما نقلته من « روض الجليس ونزهة الأنيس » « حكي عن سليمان بن محمد المهديّ الصّقلّيّ قال : كان بإفريقية رجل نبيه شاعر ، وكان يهوى غلاما جميلا من غلمانها ، فاشتدّ كلفه به . وكان الغلام يتجنّى عليه ، ويعرض عنه كثيرا . فبينما هو ذات ليلة وقد انفرد بنفسه ليشرب الخمر ، إذ ذكر محبوبه ، فجرى بخاطره ما يفعله به من التّجنّي ، فزاد سكره ، وقام من الفور ، وقد غلب عليه سكر الغلام « 2 » ، وسكر المدام ، فأخذ قبس نار وجعله عند باب الغلام ليحرق عليه داره . فلمّا دارت النّار بالباب ، بادر الناس بإطفائها ، واعتقلوه . فلمّا أصبحوا نهضوا به إلى القاضي ، فأعلموه بفعله ، فقال له القاضي : لأيّ شيء أحرقت باب هذا الغلام ؟ فأنشد على الفور : لمّا تمادى على بعادي * وأضرم النّار في فؤادي

--> ( 1 ) فوات الوفيات : 1 / 102 . ( 2 ) ط : « الغرام » .