علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

298

ثمرات الأوراق

نادرة للعزّ بن عبد السلام حكي أن شخصا جاء إلى الشيخ عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام الشافعي سلطان العلماء ، فقال : رأيتك في المنام تنشد : وكنت كذي رجلين رجل صحيحة * ورجل رمى فيها الزمان فشلّت قال : فسكت ثم قال : أعيش ثلاثا وثمانين سنة ، فإنّ هذا الشعر لكثيّر عزّة ، وقد نظرت فلم أجد بيني وبينه نسبة فإني سنّي وهو شيعيّ ، وأنا طويل وهو قصير ، وشاعر ولست بشاعر ، وأنا سلميّ ، وهو خزاعيّ ، وشاميّ وهو حجازي . فلم يبق إلا السنّ فأعيش مثله . فكان كذلك . * * * نادرة للجاحظ مع معلم كتاب ومن ظريف ما يحكى ، أن الجاحظ قال : عبرت يوما على معلّم كتّاب فوجدته في هيئة حسنة ، وقماش مليح . فقام إليّ وأجلسني معه ، ففاتحته في القرآن فإذا هو ماهر ، ففاتحته في شيء من النحو فوجدته ماهرا ، ثم أشعار العرب واللغة فإذا به كامل في جميع ما يراد منه ، فقلت : قد وجب عليّ تقطيع دفتر المعلمين ، فكنت كل قليل أتفقده وأزوره . قال : فأتيت بعض الأيام إلى زيارته ، فوجدت الكتّاب مغلقا ، فسألت جيرانه فقالوا : مات عنده ميّت ، فقلت أروح أعزّيه . فجئت إلى بابه ، فطرقته فخرجت إليّ جارية وقالت : ما تريد ؟ قلت : مولاك ، فقالت : مولاي جالس وحده في العزاء ، ما يعطي لأحد الطريق ، قلت : قولي له : صديقك فلان يطلب يعزّيك ، فدخلت وخرجت وقالت : باسم اللّه . فعبرت إليه فإذا هو جالس وحده . فقلت : أعظم اللّه أجرك ، لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة ؛ وهذا سبيل لا بدّ منه ، فعليك بالصبر . ثم قلت : أهذا الذي توفّي ولدك ؟ قال : لا ، قلت : فوالدك ؟ قال : لا ، قلت : فأخوك ؟ قال : لا ، قلت : فمن ؟ قال : حبيبتي ، فقلت في نفسي : هذا أول المناحس ، وقلت له : سبحان اللّه تجد غيرها ، وتقع عينك على أحسن منها . فقال : وكأنّي بك وقد ظننت أني رأيتها ؟ فقلت في نفسي : هذه منحسة ثانية ، ثم قلت : وكيف عشقت من لا رأيته ؟ فقال : اعلم أني كنت جالسا وإذا رجل عابر يغني وهو يقول : يا أمّ عمرو جزاك اللّه مكرمة * ردّي عليّ فؤادي أينما كانا فقلت في نفسي : لولا أن هذه أم عمرو ، ما في الدنيا مثلها ما كان الشعراء يتغزلون فيها .