علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
289
ثمرات الأوراق
رسول اللّه . يا محمد ، تشفّعت بك إلى اللّه فاقبلني . ثم سجد ، وأطال سجوده وهو يناجي ربه ويبكي . فأتى معروف المحراب فرآه كذلك ، فبقي متفكّرا في أمره لا يتحقق من هو ، وإذا هو بغلام من خواص الخليفة قد دخل المسجد يسأل عن المجوسيّ باسمه ونسبه ، فقال معروف : بيته في موضع كذا وكذا ، فقال : من هناك جئت ، وقيل لي إنه في مسجد معروف ، فو اللّه لا بأس عليه ، فإن الخليفة قد بعثني إليه برسالة لطيفة تسرّ قلبه ، وهو منتظره على أن يؤمّنه ويردّ عليه ما أخذ منه وكفى باللّه شهيدا . فقال معروف : لست أرى في المسجد أحدا يشبه من تذكره ، إلا هذا الساجد للّه ، المناجي لربه ، فاصبر له حتى يرفع رأسه . فوقف صاحب الخليفة على رأسه ساعة ثم قال : يا هذا ، ارفع رأسك ولا تبك ، أمير المؤمنين قد قضى حاجتك ، وبعثني برسالة لطيفة لتصير إليه حتى يردّ عليك ما أخذه منك . فرفع رأسه وإذا معروف واقف فقال : يا معروف ، ما أكرم هذا الباب ، وما أحلم صاحبه ، وما أقربه إلى من دعاه ، ثم قال : يا معروف ، امدد يدك إني أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا عبده ورسوله . وأني رضيت باللّه ربّا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم نبيّا ورسولا ، وأن القرآن كلام اللّه جاء به محمد بن عبد اللّه وأنا مؤمن بذاك كله . ثم تبع الرسول ، وذهب معروف الكرخيّ معه . فلمّا وصلوا إلى دار الخليفة وإذا به واقف على الباب ، فاستقبلهما ، وسلّم عليهما ، وصافح كلّا منهما ، ومشى معهما ، وأقعدهما إلى جانبه ، وأقبل يعتذر إليهما مما وقع منه ، وأمر بالأموال التي أخذت من المجوسي فأحضرت بين يديه عن آخرها . ثم قال له : تأمّل هذه الأموال ، أليست هي التي أخذت منك ؟ قال : نعم ، قال : فخذها بارك اللّه لك فيها واجعلني في حلّ مما وقع مني ، واستغفر اللّه لي . فقال : يغفر اللّه لك ، ثم قال : يا أمير المؤمنين ، أما الأموال فهي لك حلال بعد أن هداني اللّه إلى دين الإسلام ، ولكن أعلمني ما الذي دعاك إلى طلبي في هذا الوقت وردّ هذا المال عليّ ؟ قال : نعم . كنت نائما وإذا أنا برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد دخل عليّ ومعه صفّ من الملائكة ، وصفّ من الصحابة . فسلّم عليّ وقال : إن اللّه تبارك وتعالى يقرئك السلام ويقول لك إن عبدنا فلان المجوسيّ كنا قد دعوناه في الذّرّ ، فأجابنا ، وكان في المجوسية مستترا ولنا معه عناية ، وقد جاء الآن إليّ نائبا ، وعما كان منه تائبا ، وهو في مسجد معروف الكرخيّ مستجير بجنابنا منك ، فابعث في طلبه ، وردّ عليه ما أخذ منه ، ولا تقطع المعاملة بيننا . فانتبهت مرعوبا ، فأرسلت في طلبك ، وها هو مالك قد رددناه عليك ، ودفعناه إليك .