علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

286

ثمرات الأوراق

فانتبهت أيضا فزعا مرعوبا ، واستعذت باللّه واستغفرته ، وتفكّرت ساعة ، فغلبني النوم فنمت ، فرأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم ثالث مرّة وهو يقول : « يا بن المبارك : أنا محمد رسول اللّه ، فلا ترتبك « 1 » في ذلك ، وامتثل أمري فهو حقّ » . فقلت : يا رسول اللّه ، أريد بذلك علامة ألقاه بها ، فأخذ رسول اللّه كفّي بيمينه ثم قال : « يا بن المبارك ، هذا المجوسي شيخ زمن « 2 » ، قد أتى عليه مائة وأربعون سنة ، وقد ضعف بصره ، وثقل سمعه ، وابيضّ شعره ، ورقّ عظمه ، ويبس عصبه وجلده ؛ فإذا أتيته وسلمّت عليه وبشّرته بما قلت لك ، وطلب منك علامة ، فامسح بيدك هذه التي أخذتها بيميني على رأسه ، ومرّ بها على وجهه وسائر جسده وبدنه ، فإنه يعود شابا ، ويرجع إليه بصره وسمعه ، ويسودّ شعره ، ويطرى جسده ، ويقوى عصبه ، وتعود إليه قوّته » . فانتبهت وأنا كالولهان ، فلمّا أن قضيت حجيّ ، وحللت عقدي ، وانصرفت إلى العراق ، ودخلت بغداد ، سألت عن المجوسي فقلت : يا غلام استأذن لي على مولاك ، فقال الغلام : أغريب أنت ؟ قلت : أجل ، قال : ادخل ليس هنا من يحجبك ، قال : فدخلت إلى دار لم أر مثلها ، وإذا بكتبة ومجوسي وصيارف قعود وهم يقتضون الرهون ، ويعطون الدنانير والدراهم ، فقلت : يا قوم ، أفيكم بهرام ؟ فقيل : ادخل الدار الثانية . فدخلتها ، فإذا ليس بينها وبين الدار الأولى نسبة ، بل تفاوت ، وإذا بشيخ قاعد على دست ومرتبة ، على الصفة التي وصفها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وحوله جماعة من الكتّاب والحسّاب ، وبين أيديهم الدنانير والدراهم كالبيادر للصغار ، وهم في الحساب . فسلّمت كما أمرني النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فردّ عليّ السلام ، وكان قد شدّ حاجبيه بعصابة ، فرفعها عن عينيه ، ثم قال : من الرجل ؟ قلت : عبد اللّه بن المبارك ، فقال : مرحبا بك ، لقد شممت بك رائحة زال بها الهم عن قلبي ، ادن منيّ . فجلست إلى جانبه ، فقال : هل لك من حاجة ؟ قلت : نعم ، قال : وما هي ؟ قلت : أرى أن أخلو بك ساعة ، فقال : نعم ، وأمر من هناك بالخروج ، فتهيّؤوا ثم خرجوا ، فبقيت أنا وهو وثلاثة شبان ، قلت : هؤلاء اصرفهم يا بهرام ، كم تعدّ من السنين ؟ قال : أعدّ مائة وأربعين سنة ، قلت : فهل تعرف أنك عملت شيئا استوجبت به من اللّه الجنّة ؟ قال : لا أرى إلا أني رزقت ثلاثة بنين وثلاث بنات فزوّجت بعضهم من بعض ، وأعطيت مهورهن من عندي ، وأفردت لكل واحد منهم مالا ودارا وعقارا ، قلت : لا تستوجب الجنة ، بل تستوجب النار ، فهل عملت شيئا صالحا لآخرتك ؟ قال : قسمت ليلي ثلاثة أجزاء . أمّا الجزء الأول فإني أقعد للمسامرة ، وتقرأ عليّ سير الأول ، فأتفرج بذلك . والجزء

--> ( 1 ) ارتبك : اختلط عليه الأمر . ( 2 ) زمن : أتى عليه زمان . وفي ط : « مسن » .