علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

26

ثمرات الأوراق

الكرك « 1 » المشار إليه - ما برح مع كمال فضله منكّدا ، مشتّتا في البلاد ، توجّه إلى بغداد ومعه فخر القضاة ابن بصاقه ، والشيخ شمس الدين الخرشاهيّ ، وقد اصطحب جواهر نفيسة ، والتجأ إلى الإمام الناصر ، وطلب الحضور بين يديه ليشاهده في الملأ مما قدّر له ذلك ، ولا وافق الخليفة عليه ، حتى امتدحه بقصيدته البائية التي مطلعها : ودان ألمّت بالكثيب ذوائبه * وجنح الدّجى وحف تجول غياهبه « 2 » تقهقه في تلك الرّبوع رعوده * وتبكي على تلك الطّلول سحائبه وقال منها في حكاية حاله مع الخليفة : أيحسن في شرع المعالي ودينها * أنت الّذي تعزى إليه مذاهبه بأنّي أخوض الدّوّ والدّوّ مقفر * سباريته مقفرّة وسباسبه « 3 » ويأتيك غيري من بلاد قريبة * له الأمن فيها صاحب لا يجانبه فيلقى دنوّا منك لم ألق مثله * ويحظى ، ولا أحظى بما أنا طالبه وينظر في لألاء قدسك نظرة * فيرجع والنّور الإماميّ صاحبه ولو كان يعلوني بنفس ورتبة * وصدق ولاء لست فيه أصاقبه « 4 » لكنت أسلّي النّفس ممّا ترومه * وكنت أذود العين عمّا تراقبه ولكنّه مثلي ، ولو قلت إنني * أزيد عليه لم يعب ذاك عائبه والنّاصر يشير إلى مظفّر الدين كوكبوري بن كوجك ، فإنّه قدم إلى الديوان ، فطلب الحضور فأذن له ، وبرز له الخليفة وشاهد وجهه - . ولمّا وقف الخليفة على هذه القصيدة ، أعجبته غاية الإعجاب ، وهي من النّظم البديع في غاية لا تدرك ، فاستدعاه بعد شطر من اللّيل ، واجتمع به خلوة ، وما تمّ له ما ظفر به مظفّر الدين المذكور . وسبب ذلك أنّ الخليفة راعى عمّه المذكور . والذي ثبت عند أهل التاريخ أنّ عمه العادل ما فعل ذلك إلّا حسدا له على كمال أدواته ، وبلاغة آدابه . وقيل : إنه كتب خطّا منسوبا أزرى بالحدائق المدبّجة . * * *

--> ( 1 ) الكرك : حصن بفلسطين . ( 2 ) وحف : شديد السواد . والغياهب : الظلمة الشديدة . ( 3 ) الدو والدوية : الفلاة . والسباريت : جمع سبروت ، وهو الأرض القفر . ( 4 ) أصاقبه : أدانيه ، وفي ب : « أناسبه » .