علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

259

ثمرات الأوراق

فتمنّيت من لهيبي بأنّي * أشتري غيضه بروحي ومالي فلا واللّه ما كانت إلا أيسر مدّة حتى رجع الماء إلى مجاريه ، وابتسم ثغر دمشق عن شنب الريّ بعد ما نشف ريقه في فيه . هذا وقد خمدت نار الحرب وقعدت بعد ما قامت على ساق وقدم ، وبطلت آلتها التي كان لها على تحريك الأوتار وجسّ العيدان نغم . واعتقل الرمح بسجن السّلم وعلى رأسه لواء الحرب معقود ، وهجعت مقل السيوف في أجفانها لمّا علمت أن الزيادة في الحد نقص في المحدود . وفاضت غدران الرّحمة على رياض الأمن فظهر لها من المسرة نبات حسن ، فالحمد للّه الذي أذهب عنّا الحزن . وبعد ، فالمعذرة من فهاهة هذه الرسالة التي هي في رياض الأدب باقليّة ، والصفح عن طولها وقصر بلاغتها بين يدي تلك المواقف السحبانية ، وليكن محمولا على متن الحلم كلامها الموضوع ، فقد علم اللّه أنها صدرت من قلب مكسور وفؤاد مصدوع ، وذهن ضعيف وليس لكثير ضعفه عاصم ولا نافع ، وراحلة فكر أمست وهي عند سيرها إلى غايات المعاني ظالع : فسيروا على سيري فإني ضعيفكم * وراحلتي بين الرّواحل ظالع هذا وكم تولّد للمملوك في طريق الرمل من عقله ، وكم ذاق من قطّاع الطريق أنكادا حتى ظن أنه لعدم النصرة ليس له إلى الاجتماع وصلة . وكلما زعق عليه غراب البين تألم لسهام البين وفقد مصر التي هي نعم الكنانة ، وأنشد وقد تحيّر في الرمل لفراق ذلك التخت الذي أعزّ اللّه سلطانه : من زعقة الغراب بعد الملتقى * فارقت مصرا وبها أحبابي وفي طريق الرمل صرت حائرا * مروّعا من زعقة الغراب واستقبل المملوك بعد ذلك بلاد الشام فبئس الحال وبئس الاستقبال ، فو الرّحمن ما وصل بها إلى مكان إلا وجده قد وقعت فيه الواقعة واشتدّ القتال . وحصدوا سنبل الرشاد فدرست فلا أعيد لمعيد حربهم دروس ، وأداروا رحى الحرب بقلوب كالأحجار فطحنت عند ذلك الرؤوس ، وأنشد لسان الحال : من كل عاد كعاد في تجبّره * من فوق ذات عماد شادها إرم لا يجمعون على غير الحرام إذا * تجمّعوا كحباب الراح وانتظموا