علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

255

ثمرات الأوراق

سواء الجحيم ، واندهشت لتلك الأنفس التي ماتت من شدة الخوف ، وهي تستغيث بالذي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [ يس : 79 ] . ونظرت إلى ظاهر باب السلامة ، وقد أخفت النار أعلامه ، ولقد كان أهله من صحة أجسامهم ومن اسمه كما يقال بالصحة والسلامة . وإلى الشلاحة ؛ وقد لبست ثياب الحزن وذابت من أجلها الكبود ، وقعدوا بعد تلك الربوع على أديم الأرض ونضجت منهم الجلود ، ولقد واللّه عدمت لذة الحواس الخمس ، وضاقت عليّ الجهات الست فلم ترقأ لي دمعة ، وأكلت الأنامل من الأسف لمّا سمعت بحريق أطراف السبعة ، فأعيذ ما بقي من السبعة بالسّبع المثاني والقرآن العظيم ؛ فكم رأينا بها يعقوب حزن رأي سواد بيته فاصفّر لونه وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ [ يوسف : 84 ] . وتغرّبت إلى ظاهر الباب الشرقيّ فتشرّقت بالدمع من شدة الالتهاب ، فلقد كان أهله من دار عنبه وكرومه الكريمة في جنتين من نخيل وأعناب . وتوصّلت إلى ظاهر باب كيسان ، فأنفقت كيس الصبر لمّا افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها ، وسمحت بعد ذلك بالعين واستخدمت فقلت . بسم اللّه مجراها . وكابرت إلى أطراف الباب الصغير ، فوجدت فاضل النار لم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فيا لهفي على عروس دمشق التي لم تذكر مع محاسنها أسماء ولا الجيداء ، لقد كانت ست الشام فاستعبدها ملك النار حتى صارت جارية سوداء . ولقد وقفت بين ربوعها وقد التهبت أحشاؤها بالاضطرام ، وفطم جنين نبتها عن رضاع ثدي الغمام ، فاستسقيت لها بقول ابن أسعد حيث قال : سقى دمشق وأياما مضت فيها * مواطر السحب ساريها وغاديها ولا يزال جنين النبت ترضعه * حوامل المزن في أحشا أراضيها فما نضا حبّها قلبي لنيربها * ولا قضى نحبه ودّي لواديها ولا تسلّيت عن سلسال ربوتها * ولا نسيت مبيتي جار جاريها هذا وكم خائف قبل اليوم آويناه بها إلى ربوة ذات قرار ، وكم كان بها مطرب طير خرج بعد ما كان يطرب على عود وطار . وبطل الجنك لمّا انقطعت أوتار أنهاره فلم يبق له مغنى ، وكسر الدف لمّا خرج نهر المغنية عن المعنى ، واستسمج الناس من قال : انهض إلى الربوة مستمتعا * تجد من اللذات ما يكفي فالطير قد غنّى على عوده * في الروض بين الجنك والدّفّ