علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

253

ثمرات الأوراق

مراميها بالنّبال ، وأهدت إلى العيون من مكاحل نارها أكحالا كانت السهام لها أميال . وطلبها كلّ من الحاضرين وقد غلا دست الحرب وسمح وهو على فرسه بنفسه الغالية ، وراموا كشفها وهم في رقعة الأرض كأنهم لم يعلموا بأن الطارقة عالية . وتاللّه لقد حزنت لقوم لم يتدرّعوا بغير آية الحرص في الأسحار ، وقد استيقظوا لحمل قسيّهم ولم تنم أعينهم عن الأوتار ، فأعيذ رواسيها التي هي كالجبال الشامخة بمن أسس رواسي المحجوج ، وأحصنها قلعة بالسماء ذات البروج . وتطاولت إلى السور المشرف وقد فضل في علم الحرب وحفظ أبوابه المقفلات ، فما وقفنا على باب إلا وجدناه لم يترك خلفه لصاحب المفتاح تلخيصا لما أبداه من المشكلات ، وما أحقه بقول القائل : فضائله سور على المجد حائط * وبالعلم هذا السور أضحى مشرفا ثم حملوا عليه وظنوا في طريق حملتهم نصرا ، ونصبوا دست الحرب ولم يعلموا بأنه قد طبخ لهم على كل باب قدرا ، فلا وأبيك لو نظرته يوم الحرب وقد تصاعدت فيه أنفاس الرجال ، لقلت : ( وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ) [ ق : 20 ] وإلى المحاصرين وقد جاؤوا راجلا وفارسا ليشهدوا القتال ، لقلت : وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ [ ق : 21 ] . وإلى كواكب الأسنة وقد انتثرت ، وإلى قبور الشهداء وهي من تحت أرجل الخيل قد بعثرت ، وإلى كرّ الفوارس وفرّها لقلت : عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ [ الانفطار : 5 ] . وإلى نار النّفط وقد نفطت من غيضها ، وإلى ذكور السيوف وقد وضعت المنايا السود وتعذرت من شدة الدماء لكثرة حيضها : ومن العجائب أنّ بيض سيوفهم * تلد المنايا السود وهي ذكور وإلى فارس الغبار وقد ركب صهوات الجوّ ولحق بعنان السماء ، وإلى أهداب السهام وقد بكت لمّا تخضّبت بالدماء . وإلى كل هارب سلب عقله ، وكيف لا وخصمه له تابع ، وإلى كل مدافع وما له عند حكم القضاء دافع ، وإلى قامات أقلام الخط وقد صار لها في طروس الأجسام مشق ، فاستصوبت عند ذلك رأي من قال : عرّج ركابك عن دمشق . ونظرت بعد ذلك إلى العشير وقد استحلّ في ذي الحجة المحرّم ، وحمل كل قيسي يمانيا وتقدّم ، فخرج النساء وقد أنكرن منهم هذا الأمر العسير ، فقلت . وغير بدع للنّسا * ء إذا تنكّرت العشير وتصفّحت بعد ذلك فاتحة باب النصر فعوّذته بالإخلاص وزدت للّه شكرا وحمدا ، وتأملت أهل البلد وهم يتلون لأهل البلد في سورة الفتح وللمحاصرين