علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
238
ثمرات الأوراق
وراسخ روحها الذي ما مال مع الهوى ، وقديم صحائفها الّذي تلا تسديده : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى [ النجم : 2 ] ، وضابط أمورها الذي طالما استشرفت إليه أسماع وأبصار ، وانتصرت به بقديم هجرته فلا غرو أن صار من المهاجرين بها والأنصار ، المقرّ الأشرف الصّاحبيّ الوزيريّ الأمينيّ ، أعلى اللّه تعالى أبدا شانه ، ورفع على فرق الفرقدين مكانه ، وزان بأقلامه أقاليم مصر فهذه سهام وهذه كنانة ، ممن استدعته رواة المحافل ، وتردّد في المناصب العلية تردّد الأقمار بين المنازل ، وجمع الأوصاف الوزيريّة جمع أبي جاد للحروف ، وتنبّه قلمه ونامت ملء أجفانها السّيوف ، وعرف بالسّيادة والزهد ؛ فعلى كلا الحالين هو السريّ وقدره معروف . وكنت أودّ لو نقلت الشهادة بصفاته عن الخبر إلى المعاينة ، وجمعت بملازمة مقرّه الشريف لظاهر الوصف باطنه ، ورويت الأخبار عن لسنه ، وجنيت الورد من غصنه ، بل التّبر من معدنه . هذا وأشغاله بتدبير الدّول شاغلة ، وأيام البعد عن فراغه بيني وبين القصد حائلة . فلمّا عزم بدمشق المحروسة سنة خمس وثلاثين على زيارة القدس الشريف ، اطّلع رأيه الشريف على ما في خاطري ، وأمرني بالمسير في ظل ركابه فسرّ على الحقيقة سائري ، وكاشف ولا ينكر الكشف لمن كثرت زواياه في البلاد ، ونظر لحالي ولا ينكر النظر في الأحوال لسيّد الوزراء والزّهاد ، وكان له في اصطحابي « 1 » مقصد تقبّل اللّه عمله الصّالح ، ومتجره الرّابح ، وذلك أنّي كنت لابسا ثياب الحزن على ولدي ، مقيما بين المقابر إقامة تفتّ حبّة قلبي على قطعة من كبدي ، ساقيا روض الحزن بغمائم الجفون ، باكيا على دنيا وجه عاجلته الأيام بصرف المنون ، أطلب قلبي في الترب وأنشده ، وأطارح صوت الصّدى فينشدني وأنشده : يا لهف قلبي على عبد الرّحيم ويا * شوقي إليه ويا نوحي ويا دائي « 2 » في شهر كانون وافاه الحمام لقد * أحرقت بالنّار يا كانون أحشائي آها لعقد قد وهي سلكه * وكان ذا درّ بعبد الرّحيم فليتني لاقيت عنه الرّدى * وعاش ذاك الدّر درّا يتيم « 3 » فاقتضى تدقيق النظر الصاحبيّ في إسداء العوارف ، وإبداء عواطف الفضل وفضل العواطف ، أن ينزع عني بصحبة ركابه الكريم لباس الباس ، ويشغلني بمشافهة الأنس القائل : ألا هكذا فليصنع الناس مع النّاس ، وينهضني بالإنعام من حوادث
--> ( 1 ) « استصحابي » . ( 2 ) ديوانه : 18 . ( 3 ) ديوانه : 480 .