علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
228
ثمرات الأوراق
العيون ، ينقل العين إلى بياض الثّغور ، ويسلبها سواد اللّمى ، وما برحت عصيّه مردودة ولديها عصا العمى ، قد انتهى إلى فوق ما يضرب به المثل ، إذا قيل : يسرق الكحل من العين ، فهذا يسرق العين من الكحل ، وهو لصّ من أكابر اللّصوص ، وسمّوا كحّالين وهم صاغة لمّا يركّبون فوق العيون « 1 » من الفصوص ، قد أودع كحله حزن يعقوب فمن كحل منه ابيضّت عيناه ، وجحد معجز القميص اليوسفيّ فلو مرّوا به على ناظر انقرحت جفناه ، وهو من الذين إذا رفعوا أميالهم فإنا هي لشمس العيون مزولة ، وإذا أولج أحدهم الميل في المكحة فهو أولى بالرّجم ممّن أولج الميل في المكحلة . ومن إنشائه سقى اللّه ثراه : والجو يتنفّس عن صدر مسجور كصدر المهجور ، والحرّ وصاليه في هذا النّحو « 2 » جارّ ومجرور ، والمهامه قد نشرت فيها ملاء السّراب ، وزخر فيها « 3 » بحر ماء ولد لغير رشدة على غير فراش السّحاب ، وحرّ الرّمل قد منع حثّ الرّمل ، ونحن في أكثر من جموع صفّين إلّا أنّنا نخاف وقعة الجمل ، ووردنا ماء هذه العيون وهو كماء « 4 » المحابر يغترف منه المجرم مثل عمله ، ويرسله « 5 » سهما فلا يخطئ نقرة مقتله ، وهو مع هذا قليل كأنّه مما جادت به الآماق في ساحات النّفاق لا في ساعات الفراق ، فيا لك من ماء لا تتميّز أوصافه من التّراب ، ولا يرتفع به فرض التّيمّم كما لا يرتفع بالسّراب ، ولا يعدو ماء وصف به أهل الجحيم في قوله تعالى : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ [ الكهف : 29 ] ، فنحن حوله كالعوائد حول المريض يعلّلون عليلا لا يردّ الجواب ، بل يندبون ميتا قد حال بينه وبينهم التّراب ، يجهّز للدّفن ونعشه المراد ، ويحفر عليه ليقوم من قبره وذلك خلاف المعتاد وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع ، على أنّه لو كان دمعا لما بلّ الأجفان ، ولو كان مالا لما رفع كفة الميزان . ومن إنشائه : إلى أن يرد كتب العسكر وأعلامها من مدّات ألفاته ، ورؤوس العدا قطعات همزاته . ومنه : فبنت سنابك الخيل سماء من العجاج نجومها الأسنّة ، وطارت إليهم عقبان الخيول قوادمها القوائم ومخالبها الأعنّة ، وتصوّبت « 6 » عيون السّمر إلى قلوبهم كأنّما تطلب سوادها ، وقصدت أنهار السّيوف صدورهم لتروي أكبادها .
--> ( 1 ) كذا في أ ، ب ، وفي ط : « العين » . ( 2 ) أ : « الخد » . ( 3 ) أ : « وزخرفها يبخر وماء » . ( 4 ) كذا في أ ، وفي ط : « كالمحابر » . ( 5 ) أ : « ويرسل » . ( 6 ) « وتصعدت » .