علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
226
ثمرات الأوراق
ولست بذي لحم فأصلح للأكل لأنّ الدهر قد أكل لحمي ، ولا بذي جلد يصلح للدّباغة « 1 » لأن الأيام قد مزّقت أدمي ، ولا بذي صوف يصلح للغزل لأنّ الحوادث قد حصّت « 2 » وبري ، إلا أن تطالبني بذحل أو وبيني وبينك دم . فوجدته صادقا في مقالته ، ناصحا في مشورته ، ولم أعلم من أيّ أمريه أعجب ؛ أمن مطالبته الدهر بالبقاء ، أم من صبره على الضّرّ والبلاء ، أم من قدرتك عليه مع عدم مثله ، أم من هديتك إياه للصّديق مع خساسة قدره ! ويا ليت شعري ؛ ما كنت مهديا لو أنّي رجل من عرض الكتّاب كأبي عليّ وأبي الخطّاب ! ما كنت مهديا إلّا كلبا أجرب ، أو قردا أحدب . والسلام . وله من رسالة : هو أخفض قدرا ومكانة ، وأظهر عجزا ومهانة ، من أن يستقلّ به قدم في مطاولتنا ، أو تطمئنّ له ضلوع في منابذتنا ، وهو في نشوزه عنا ، وطلبنا إيّاه كالضّالّة المنشودة ، والظّلامة المردودة . وكان له عبد اسمه « يمن » ؛ وكان يهواه وله فيه المعاني البديعة ، فمن ذلك قوله فيه : قد قال يمن وهو أسود للّذي * ببياضه استعلى علوّ الخائن ما فخر وجهك بالبياض وهل ترى * أن قد أفدت به فريد محاسن « 3 » ولو انّ منّي فيه خالا زانه * ولو انّ منه فيّ خالا شانني * * * الصّاحب بن عبّاد من بلاغاته « 4 » المخترعة أنّه قيل له : ما هو أحسن السّجع ؟ قال : ما خفّ على السّمع ، قيل : مثل ماذا ؟ قال : مثل هذا . وسأله ابن العميد عن بغداد فقال : بغداد في البلاد كالأستاذ في العباد . وله جواب كتاب : وصل كتاب مولاي فكانت فاتحته أحسن من كتاب الفتح ، وواسطته أنفس من واسطة العقد ، وخاتمته أشرف من خاتم الملك . ومن شعره يرثي كثير بن أحمد الوزير : يقولون قد أودى كثير بن أحمد * وذلك رزء في الأنام جليل فقلت دعوني والعلانبكه معا * فمثل كثير في الرّجال قليل * * *
--> ( 1 ) أ : « للدباغ » . ( 2 ) أ : « حصدت » . ( 3 ) ب : « جميع محاسي » . ( 4 ) أ ، ب : « بلاغته » .