علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
197
ثمرات الأوراق
قدم عليكم فلا سبيل إلى قتاله ، ولا بدّ أن أشرف عليه ، وأنظر إلى صفته ؛ فإن كان هو أجبته إلى ما يريد ، وإن كان غيره فلا بأس عليكم . ثمّ وثب قائما والقسوس والرّهبان والسّماسرة من حوله ، وقد رفعوا الصّلبان على رأسه ، فصعدوا إلى الصّور إلى أن ورد أبو عبيدة رضي اللّه عنه ، فناداهم رجل من الروم بإذن البطرك : يا معاشر المسلمين ؛ كفّوا عن القتال حتى نسألكم . فأمسك المسلمون عنهم ، فناداهم الرجل بلسان عربيّ : اعلموا أن الرجل الذي يفتح بلدتنا هذه ، وجميع الأرض ، عندنا صفته فإن كانت في أميركم لم نقاتلكم بل نسلّم إليكم ، وإن لم تكن هذه صفته فلا نسلم إليكم أبدا . فأعلم المسلمون أبا عبيدة بذلك ، فخرج أبو عبيدة إليهم إلى أن حاذاهم فنظر البطرك ، وحقّق صورته ، فقال : ليس هو الرجل ، فأبشروا وقاتلوا عن دينكم . وحريمكم . وكان نزول المسلمين على بيت المقدس في فصل الشّتاء والبرد ، فأقاموا عليها أربعة أشهر في أشدّ قتال مع الصّبر على المطر والثّلج ، فلمّا نظر أهل بيت المقدس إلى شدّة الحصار في ذلك الفصل الصّعب ، وما نزل بهم من المسلمين ، وقفوا بين يدي البطرك ، وقالوا له : قد عظم الأمر ، ونريد منك أن تشرف على القوم ، وتسأل : ما الّذي يريدون ؟ فإن كان أمرا صعبا فتحنا الأبواب وخرجنا إليهم ؛ فإمّا نقتل عن آخرنا أو نهزمهم عنا ؛ فأجابهم البطرك إلى ذلك ، وصعد الصور ، واجتمع القسّيسون والرهبان حوله ، ونادى منهم رجل وقال : يا معاشر الفرسان ، عمدة دين النصرانية قد أقبل يخاطبكم فليدن منا أميركم . فقام أبو عبيدة يمشي ، ومعه جماعة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وترجمان ؛ فلمّا وقف بإزائهم قال : ما الّذي تريدون ؟ هذا أمير العرب ؛ فقال البطرك : إنّكم لو أقمتم علينا عشرين سنة لن تصلوا إلى فتح بلدتنا أبدا ، وإنّما يفتحها رجل موصوف وليست الصّفة معكم . قال أبو عبيدة : وما صفة من يفتح بلدكم ؟ قال البطرك : لا نخبركم بصفته ، ولكن قرأنا أنّ هذا البلد يفتحه صاحب لمحمّد اسمه عمر بن الخطّاب ، ويعرف بالفاروق ، وهو رجل شديد لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، ولسنا نرى صفته فيكم . فلمّا سمع أبو عبيدة كلام البطرك تبسّم وقال : فتحنا البلد وربّ الكعبة ! ثم أقبل على البطرك وقال : إن رأيت الرجل تعرفه ؟ قال : نعم ، وكيف لا أعرفه وصفته عندنا ؟ قال أبو عبيدة : هو واللّه خليفتنا ، وصاحب نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم . قال البطرك : فإذا كان الأمر على ما ذكرتم ، فاحقن الدّماء ، وابعث إلى صاحبك يأتي فإذا رأيناه وتبيّنّا نعته ، فتحنا له البلد ، وأعطيناه الجزية . فانصرف أبو عبيدة ، وأمر النّاس بالكفّ عن القتال ، وأعلمهم بالخبر ، فكبّروا .