علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
189
ثمرات الأوراق
أحد بجواب ، واحتجت أن آتي بأربعمائة جواب . فقلت : الأول كذا وكذا ، والثاني كذا وكذا حتى سقط القرص ، وصلّينا المغرب ، فضرب مالك بيده إليّ ، فلمّا وصلت المنزل رأيت بناء غير الأول ، فبكيت فقال : ممّ بكاؤك ؟ كأنّك خفت يا أبا عبد اللّه أن قد بعت الآخرة بالدّنيا ؟ قلت : هو واللّه ذلك ، قال : طب نفسا ، وقرّ عينا . هذه هدايا خراسان وهدايا مصر ، والهدايا تجيء من أقاصي الدّنيا . وقد كان النّبي صلى اللّه عليه وسلم يقبل الهدايا ، ويردّ الصّدقة ، وإنّ لي ثلاثمائة خلعة من رقّ خراسان ، وقباطيّ مصر ، وعندي عبيد بمثلها لم تستكمل الحلم ، فهم هديّة مني إليك ، وفي صناديقي تلك خمسة آلاف دينار ، أخرج زكاتها عند كلّ حول ، فلك مني نصفها قلت : إنّك موروث وأنا موروث فلا يبيت جميع ما وعدتني به إلا تحت خاتمي ليجري ملكي عليه فإن حضرني أجلي كان لورثتي دون ورثتك ، وإن حضرك أجلك كان لي دون ورثتك ، فتبسّم في وجهي وقال : أبيت إلّا العلم ، فقلت : لا يستعمل أحسن منه ، وما بتّ إلا وجميع ما وعدني به تحت ختمي . فلمّا كان في غداة غد ، صلّيت الفجر في جماعة ، وانصرفت إلى المنزل أنا وهو وكلّ واحد منا يده في يد صاحبه ، إذ رأيت كراعا على بابه من جياد خراسان وبغالا من مصر ، فقلت له : ما رأيت كراعا أحسن من هذا ، فقال : هو هدية مني إليك يا أبا عبد اللّه ، فقلت له : دع لك منها دابّة ، فقال : إني أستحي من اللّه أن أطأ قرية فيها نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم بحافر دابة . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فعلمت أن ورع الإمام مالك باق على حاله ، فأقمت عنده ثلاثا ، ثم ارتحلت إلى مكة ، وأنا أسوق خير اللّه ونعمه ، ثم أنفذت من يعلم بخبري ، فلمّا وصلت الحرم خرجت العجوز ونسوة معها فضمّتني إلى صدرها ، وضمّتني بعدها عجوز كنت آلفها دعوها خالتي ، وقالت : ليس أمّك اجتاحت المنايا * كلّ فؤاد عليك أمّ قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : وهي أول كلمة سمعتها في الحجاز من امرأة . فلمّا هممت بالدخول ، قالت لي العجوز : إلى أين عزمت ؟ فقلت : إلى المنزل . فقالت : هيهات ، تخرج من مكة بالأمس فقيرا ، وتعود إليها مترفا تفخر على بني عمّك بذلك ! فقلت : ما أصنع ؟ فقالت : ناد بالأبطح في العرب بإشباع الجائع وحمل المنقطع ، وكسوة العراة ، فتربح ثناء الدنيا وثناء الآخرة . ففعلت ما أمرت به ، وسار بذلك الفعل الرّجال على آباط الإبل ، وبلغ ذلك مالكا فبعث إليّ يستحثّني على الفعل ، ويعدني أنه يحمل إليّ في كلّ عام مثل ما صار إليّ منه ، وما دخلت إلى مكة وأنا أقدر على شيء مما جاء معي إلّا على بغلة واحدة وخمسين دينارا . فوقعت المقرعة ، فناولتني إياها أمة على كتفها قربة . فأخرجت لها خمسة دنانير ، فقالت لي العجوز : ما أنت صانع ؟