علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

187

ثمرات الأوراق

الّذي وضعته بالعراق حتى تكامل في ثلاث سنين ، وولّاني الرّشيد الصّدقات بنجران ، وقدم الحاج فخرجت أسألهم عن الحجاز ، فرأيت فتى في قبّته ، فلمّا أشرت إليه بالسّلام أمر قائد القبّة أن يقف ، وأشار إليّ بالكلام ، فسألته عن الإمام مالك وعن الحجاز ، فأجاب بخير ، ثم عاودته إلى السّؤال عن مالك ، فقال لي : أشرح لك أو أختصر ؟ قلت : في الاختصار البلاغة . فقال : في صحّة جسم ، وله ثلاثمائة جارية يبيت عند الجارية ليلة فلا يعود إليها إلى سنة ، فقد اختصرت لك خبره . قال الشّافعيّ رضي اللّه عنه : فاشتهيت أن أراه في حال غناه كما رأيته في حال فقره ، فقلت له : أما عندك من المال ما يصلح للسّفر ؟ فقال : إنك لتوحشني خاصّة وأهل العراق عامّة ، وجميع مالي فيه لك . فقلت له : فبم تعيش ؟ قال : بالجاه ، ثم نظر إليّ وحكّمني في ماله ، فأخذت منه على حسب الكفاية والنهاية ، وسرت على ديار ربيعة ومضر ، فأتيت حرّان ودخلتها يوم الجمعة ، فذكرت فضل الغسل وما جاء فيه ، فقصدت الحمّام ، فلمّا سكبت الماء رأيت شعر رأسي شعثا ، فدعوت المزين ، فلمّا بدأ برأسي وأخذ القليل من شعري ، دخل قوم من أعيان البلد ، فدعوه إلى خدمتهم ، فسارع إليهم وتركني ، فلمّا قضوا ما أرادوا منه ، عاد إليّ فما أردته ، وخرجت من الحمام ، فدفعت إليه أكثر ما كان معي من الدّنانير ، وقلت له : خذ هذه وإذا وقف بك غريب لا تحتقره ، فنظر إليّ متعجّبا ، فاجتمع على باب الحمام خلق كثير . فلمّا خرجت عاتبني الناس ، فبينما أنا كذلك إذ خرج بعض من كان في الحمام من الأعيان ، فقدّمت له بغلة ليركبها ، فسمع خطابي لهم ، فانحدر عن البغلة بعد أن استوى عليها ، وقال لي . أنت الشّافعيّ ؟ فقلت : نعم فمدّ الرّكاب ممّا يليني ، وقال : بحقّ اللّه اركب . ومضى بي الغلام مطرقا بين يديّ ، حتى أتيت إلى منزل الفتى ، ثم أتى وقد حصلت في منزله ، فأظهر البشاشة ، ثم دعا بالغسل فغسل علينا ، ثم حضرت المائدة فسمّى ، وحبست يدي فقال : مالك يا عبد اللّه ؟ فقلت له : طعامك حرام عليّ حتى أعرف من أين هذه المعرفة : فقال : أنا ممّن سمع منك الكتاب الّذي وضعته ببغداد . وأنت لي أستاذ . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فقلت العلم بين أهل العقل رحم متّصلة ، فأكلت بفرحة إذ لم يعرّف اللّه تعالى إلّا بيني وبين أبناء جنسي ، وأقمت ضيفه ثلاثا ، فلمّا كان بعد ثلاث قال : إنّ لي حول حرّان أربع ضياع ما بحرّان أحسن منها . أشهد اللّه إن اخترت المقام فإنها هدية مني إليك . فقلت : فبم تعيش ؟ قال : بما في صناديقي تلك - وأشار إليها ، وهي أربعون ألف درهم - وقال : أتّجربها ، فقلت : ليس إلى هذا قصدت ، ولا خرجت من بلدي لغير طلب العلم . فقال لي : فالمال إذا من شأن