علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
182
ثمرات الأوراق
الأورق ، فإنّه أحسن جمالنا ، ونحن على رحيل ، ولك منّا حسن الصّحبة حتّى تصل إلى مالك . فما كان غير بعيد حتى قطروا بعضها إلى بعض ، وأركبوني البعير الأورق ، وأخذ القوم في السّير ، وأخذت أنا في الدّرس ، فختمت من مكّة إلى المدينة ستّ عشرة ختمة ؛ باللّيل ختمة وبالنّهار ختمة ؛ ودخلت المدينة في اليوم الثّامن بعد صلاة العصر ، فصلّيت العصر في مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ودنوت من القبر ، فسلّمت على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ، ولذت بقبره ، فرأيت مالك بن أنس مؤتزرا ببردة متّشحا بأخرى ، قال : حدّثني نافع عن ابن عمر ، عن صاحب هذا القبر - وضرب بيده إلى قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فلمّا رأيت ذلك هبته مهابة عظيمة ، وجلست حيث انتهى بي المجلس ، فأخذت عودا من الأرض ، فجعلت كلّما أملى مالك حديثا كتبته بريقي على يدي ، والإمام مالك رضي اللّه عنه ينظر إليّ من حيث لا أعلم حتى انقضى المجلس ، وانتظرني مالك أن أنصرف فلم يرني انصرفت ، فأشار إليّ فدنوت منه ، فنظر إليّ ساعة ثم قال : أحرميّ أنت ؟ فقلت : حرميّ . قال : أمكّيّ أنت ؟ قلت : مكّيّ . قال : أقرشيّ أنت ؟ قلت : قرشيّ . قال : كملت أوصافك ، لكن فيك إساءة أدب . قلت : وما الذي رأيت من سوء أدبي ؟ قال : رأيتك وأنا أملي ألفاظ الرسول عليه الصلاة والسلام تلعب بريقك على يدك . فقلت له : عدمت البياض ، فكنت أكتب ما تقول . فجذب مالك يدي إليه ، فقال : ما أرى عليها شيئا . فقلت : إنّ الرّيق لا يثبت على اليد ، ولكن فهمت جميع ما حدّثت به منذ جلست ، وحفظته إلى حين قطعت . فتعجب الإمام مالك من ذلك ، فقال : أعد عليّ ولو حديثا واحدا . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فقلت : حدّثنا مالك عن نافع عن ابن عمر - وأشرت بيدي إلى القبر كإشارته - حتّى أعدت عليه خمسة وعشرين حديثا حدّث بها من حين جلس إلى وقت قطع المجلس وسقط القرص ، فصلّى مالك المغرب ، وأقبل على عبده ، وقال : خذ بيد سيّدك إليك ، وسألني النهوض معه . قال الشافعيّ رحمه اللّه : فقمت غير ممتنع إلى ما دعا من كرمه ، فلمّا أتيت الدّار أدخلني الغلام إلى خلوة في الدار ، وقال لي : القبلة في البيت هكذا ، وهذا إناء فيه ماء ، وهذا بيت الخلاء . قال الشافعيّ رضي اللّه عنه : فما لبث مالك رضي اللّه عنه حتى أقبل هو والغلام حاملا طبقا ، فوضعه من يده وسلّم الإمام عليّ ، ثم قال للعبد : اغسل علينا ، ثم وثب الغلام لإناء « 1 » ، وأراد أن يغسل عليّ أولا ، فصاح عليه مالك ، وقال : الغسل في أوّل الطعام لربّ البيت ، وفي آخر الطعام للضيف .
--> ( 1 ) ط : « إلى الإناء » .