علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

175

ثمرات الأوراق

يفعل بمثله في أبوّته وشرفه . فقال عبد الملك : يا أبا محمد ؛ أذكرتنا حقّا واجبا ، ائذنوا لإبراهيم . فلمّا دخل وسلّم بالخلافة ، أمره بالجلوس في صدر المجلس ، وقال له عبد الملك : إنّ أبا محمد ذكّرنا ما لم نزل نعرفه منك من الأبوّة والشرف ، فلا تدع حاجة في خاصّة أمرك وعامّته إلّا سألتها . فقال إبراهيم : أمّا الحوائج التي نبتغي بها الزّلفى ، ونرجو بها الثواب فما كان للّه خالصا ولنبيّه صلى اللّه عليه وسلم . ولكن لك يا أمير المؤمنين عندي نصيحة ، لا أجد بدّا من ذكري إياها ، قال : أهي دون أبي محمد ؟ قال : نعم . قال : قم يا حجّاج . فنهض الحجّاج خجلا لا يبصر أين يضع رجله . ثمّ قال عبد الملك : قل يا بن طلحة ، فقال : تاللّه يا أمير المؤمنين إنّك عمدت إلى الحجّاج في ظلمه وتعدّيه على الحقّ ، وإصغائه إلى الباطل ، فولّيته الحرمين ، وفيهما من فيهما من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبناء المهاجرين والأنصار ، يسومهم الخسف ويطؤهم العسف ، بطغام أهل الشّام ، ومن لا رويّة له في إقامة الحق ، ولا إزاحة الباطل . قال : فأطرق عبد الملك ساعة ، ثم رفع رأسه ، وقال : كذبت يا بن طلحة ، ظنّ فيك الحجّاج غير ما هو فيك ، قم فربّما ظنّ الخير بغير أهله . قال : فقمت وأنا ما أبصر طريقا . قال : وأتبعني حرسيّا ، وقال له : أشدد يدك به . قال إبراهيم : فما زلت جالسا حتى دعا الحجّاج ، فما زالا يتناجيان طويلا حتّى ساء ظنّي ، ولا أشكّ أنّهما في أمري ، ثم دعا بي فلقيني الحجاج في الصّحن خارجا ؛ فقبل ما بين عينيّ وقال : أحسن اللّه جزاءك « 1 » . فقلت في نفسي : إنه يهزأ بي . ودخلت على عبد الملك فأجلسني مجلسي الأوّل ، ثم قال : يا بن طلحة ، هل اطّلع على نصيحتك أحد ؟ فقلت : لا واللّه يا أمير المؤمنين ، ولا أردت إلّا اللّه ورسوله والمسلمين ، وأمير المؤمنين قد علم « 2 » بذلك . فقال عبد الملك : قد عزلت الحجّاج عن الحرمين لما كرهته فيه لهما ، وأعلمته أنك استقللت ذلك عليه ، وسألتني له ولاية كبيرة ، وقد أوليته العراقين ، وقرّرت له أنّ ذلك بسؤالك ، ليلزمه من حقّك ما لا بدّ له من القيام به ، فأخرج معه ، فإنك غير ذامّ لصحبته . فخرجت معه ، ونالني منه كل خير « 3 » . * * *

--> ( 1 ) أ : « إليك » . ( 2 ) ط : « يعلم ذلك » . ( 3 ) المستجاد : 44 - 46 .