علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

163

ثمرات الأوراق

عليك ، ثمّ جدّدت لي الكرامة ، وأقمت عندها ثلاثا ؛ ثم قالت : إنّي خائفة عليك من هذا الرجل لئلا يطلع عليك ، فينمّ بك ، فانج بنفسك ؛ فسألتها المهلة إلى الليل ففعلت . فلمّا دخل اللّيل لبست زيّ النّساء ، وخرجت من عندها ، فأتيت إلى بيت مولاة كانت لنا ، فلمّا رأتني بكت وتوجّعت ، وحمدت اللّه على سلامتي ، وخرجت كأنّها تريد السّوق للاهتمام بالضّيافة ، فظننت خيرا ، فما شعرت إلّا بإبراهيم الموصليّ بنفسه في خيله ورجله ، والمولاة معه حتى سلّمتني إليه ، ورأيت الموت عيانا ، وحملت بالزّيّ الّذي أنا فيه إلى المأمون . فجلس مجلسا عامّا ، وأدخلني إليه ، فلمّا مثلت بين يديه سلّمت عليه بالخلافة ، فقال : لا سلّم اللّه عليك ، ولا حيّاك ولا رعاك ! فقلت له : على رسلك يا أمير المؤمنين ؛ إنّ وليّ الثار محكّم في القصاص ، والعفو أقرب للتّقوى ، وقد جعلك اللّه فوق كلّ عفو ؛ كما جعل ذنبي فوق كلّ ذنب ، فإن تأخذ فبحقّك ، وإن تعف فبفضلك ، ثم أنشدت : ذنبي إليك عظيم * وأنت أعظم منه فخذ بحقّك أو لا * فاصفح بحلمك عنه إن لم أكن في فعالي * من الكرام فكنه فرفع إليّ رأسه فبدرته ، وقلت : أتيت ذنبا عظيما * وأنت للعفو أهل فإن عفوت فمنّ * وإن جزيت فعدل فرقّ المأمون ، واستروحت روائح الرّحمة من شمائله ، ثمّ أقبل على ابنه العبّاس وأخيه أبي إسحاق وجميع من حضر من خاصّته ، فقال : ما ترون في أمره ؟ فكلّهم أشار بقتلي ؛ إلا أنّهم اختلفوا في القتلة كيف تكون ، فقال المأمون لأحمد بن أبي خالد : ما تقول يا أحمد ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ؛ إن قتلته وجدنا مثلك قتل مثله ، وإن عفوت عنه لم نجد مثلك عفا عن مثله ؛ فنكّس المأمون رأسه ، وجعل ينكت الأرض ، وأنشد متمثلا : قومي هم قتلوا أميم أخي * فإذا رميت يصيبني سهمي « 1 » فكشفت المقنّعة عن رأسي ، وكبّرت تكبيرة عظيمة ، وقلت : عفا واللّه عنّي أمير المؤمنين ؛ فقال المأمون : لا بأس عليك يا عمّ ! فقلت : ذنبي يا أمير المؤمنين أعظم

--> ( 1 ) للحارث بن وعلة الذهلي ، ديوان الحماسة بشرح المرزوقي 204 .