علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
159
ثمرات الأوراق
فبينما أنا كذلك والمنادي ينادي : معاشر المسلمين ، إنّ الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت ؛ وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعة . فانقطعت عنّي ، وأخذت أنا في تحصيل ثمن الكتّان الّذي لي ، والمصالحة على ما بقي منه ، وأخذت معي بضاعة حسنة ، وخرجت من عكّا وفي قلبي من الإفرنجيّة ما فيه ، فوصلت إلى دمشق ، وبعت البضاعة بأوفى ثمن بسبب الهدنة ؛ ومنّ اللّه عليّ بكسب وافر ، وأخذت أتّجر في الجواري لعلّه يذهب ما بقلبي من الإفرنجيّة ، فمضت ثلاث سنين ، وجرى للسّلطان الملك الناصر ما جرى من وقعة حطّين وأخذه جميع الملوك ، وفتحه بلاد السّاحل بإذن اللّه تعالى ، فطلب مني جارية للملك الناصر فأحضرت جارية حسنة ، فاشتريت له منّي بمائة دينار ؛ فأوصلوا إليّ تسعين دينارا وبقيت عشرة دنانير فلم يلتقوها في الخزانة ذلك اليوم ، لأنه أنفق جميع الأموال ، فشاوروه على ذلك ، فقال : امضوا به إلى الخزانة الّتي فيها السّبي من نساء الإفرنج ، فخيّروه في واحدة منهنّ يأخذها بالعشرة الدّنانير التي له ، فأتيت الخيمة فعرفت غريمتي الإفرنجية ، فقلت : اعطوني هاتيك . فأخذتها ومضيت إلى خيمتي وخلوت بها ، وقلت لها : أتعرفينني ؟ قالت : لا ، فقلت : أنا صاحبك التّاجر الذي جرى لي معك ما جرى ، وأخذت منّي الذهب ، وقلت ما بقيت تبصرني إلّا بخمسمائة دينار ، وقد أخذتك بعشرة دنانير . فقالت : مدّ يدك ، أنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه . فأسلمت وحسن إسلامها . فقلت : واللّه لا وصلت إليها إلّا بأمر القاضي ، فرحت إلى ابن شدّاد وحكيت له ما جرى ، فعجب وعقد لي عليها ، وباتت تلك اللّيلة عندي فحملت منّي . ثم رحل العسكر ، وأتينا دمشق وبعد مدة يسيرة أتى رسول الملك يطلب الأسارى والسّبايا باتفاق وقّع بين الملوك ، فردّوا من كان أسيرا من الرجال والنساء ، ولم يبق إلّا الّتي عندي ، فسألوا عنها ، واتّضح الخبر أنّها عندي وطلبت منّي . فحضرت وقد تغيّر لوني ، وأحضرتها معي بين يدي [ مولانا ] « 1 » السّلطان الملك النّاصر ، والرسول حاضر ، فقلت : هذه المرأة التي عندي ، فقال لها الملك الناصر بحضرة الرّسول : ترجعين إلى بلادك ، أو إلى زوجك ؟ فقد فككنا أسرك وأسر غيرك : فقالت : يا مولانا السّلطان أنا قد أسلمت وحملت ، وها بطني كما ترونه ، وما بقيت الإفرنج تنتفع بي . فقال لها الرسول : أيّما أحبّ إليك ؛ هذا المسلم أو زوجك الإفرنجيّ فلان ؟ فأعادت عبارتها الأولى . فقال الرسول لمن تبعه « 2 » من الإفرنج :
--> ( 1 ) من ط . ( 2 ) في ط « لمن معه » .