علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

151

ثمرات الأوراق

فأرني الجهة التي رأيت الخشف سعى نحوها ، فرجع به إلى تلك الجهة ( فسمع من قريب صوته « 1 » ) ، فصاح به التّاجر ، فعرف الخشف صوته فصوّت ، فسمع التّاجر الصّوت فأدركه ، فإذا هو في ذلك الأخدود ملقى « 6 » ، فأخذوه ، ووهب التّاجر للصّيّاد ما رضي به وصرفه ، ورجع التّاجر بالخشف إلى ولده . فكملت مسرّة الغلام ، وجعل الخشف يتجنّب الغزال الكبير إذا رآه ولا يألفه ، فتنغّصت مسرّة الغلام لذلك ، وجهد أهله بكلّ حيلة أن يجمعوا بين الخشف والغزال فلم يقدروا على ذلك . فبينما الخشف نائم في كناسه « 2 » إذ دخل عليه الغزال فأيقظه وعاتبه على نفاره منه ، فقال الخشف : أما أنت الّذي غدرت ، وقد علمت احتياجي في غربتي إلى معاونتك ! فقال له : واللّه ما أخّرني عن ذلك إلّا وقوعي في شرك الصياد . وقصّ عليه القصّة ، فقبل عذره ، وعاد إلى الألفة كما كان . فلمّا سمع عين أهله خطاب العجوز ، وفهم كناياتها عن عجزها في تخليصه ، أمسك عن خطابها . قيل : فلمّا انتهى وزير سابور من حديثه إلى هذا الحديث سكت ، قال المطران : أيها الحكيم الرّاهب ، ما هذا السّكوت ؟ فقال الوزير : قد عاودني ذلك الفتور الّذي أجده في أعضائي ، فقال المطران : لا تفعل ؛ فإنّ ذلك يشقّ عليّ ، فقال الوزير : نعم ، أفعل ذلك طلبا لمرضاتك ، ثم اندفع يحدّثه . قال : وبات عين أهله تلك اللّيلة في أضيق الأحوال ، ولمّا أصبح دخل عليه الذّئب فنال منه ، وهدّده بالقتل ، وخرج من عنده فجعل يعلّل نفسه بقيّة نهاره ويمنّيها بالفرج ؛ فلمّا أقبل عليه اللّيل استوحش ، وانتظر أن تجلس إليه العجوز وتحادثه فلم تفعل ، فأيقن قتله في تلك الليلة ، فأقبل على البكاء حتى مضى « 3 » جانب من اللّيل ، ثم قال « 4 » للعجوز : لم أحظ في هذه اللّيلة بمؤانستك ، فقالت له : قد جرحت قلبي بقولك لي : هان على الطّليق ما لقي الأسير ، ولو اعتبرت باطن حالي لعلمت أنّ أسري أشدّ من أسرك . فاستمع لي أحدّثك [ عن حالي ] « 5 » . اعلم أيها الفتى أنّي كنت زوجة لبعض الفرسان ، وكان لي محبّا ، فكنت معه في

--> ( 1 ) ب : « فسمع ترنيب الخشف ، أي صوته » . ( 6 ) ب : « منتشبا فيه » . ( 2 ) كناس الظبي : بيته ومستتره . ( 3 ) ب : « ذهب » . ( 4 ) ب : « ثم جاءت العجوز فقال لها » . ( 5 ) من ب .