علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
148
ثمرات الأوراق
ولمّا انقطع الطّلب عن الفرس ، وأظلم عليه اللّيل جاع ، وطلب أن يرعى فمنعه اللّجام ، ورام أن يتمرّغ فمنعه السّرج ، ورام أن يضطجع فمنعه الرّكاب ، فبات بشرّ [ ليلة ] « 1 » . فلمّا أصبح ، ذهب يبتغي فرجا مما هو فيه ، فاعترضه نهر فدخله ليقطعه إلى جهته الأخرى ؛ فإذا هو بعيد القعر فسبح فيه ، وكان حزامه ولببه « 2 » من جلد ما أتقن في دبغه . فلمّا خرج أصابت الشّمس الحزام واللّبب فيبسا ، واشتدّ عليه ، فورم موضع اللّبب والمحزم واشتدّ به الضّرر ، وقوي به الجوع ، ومضت عليه أيّام ، فتزايد ضعفه ، وعجز عن المشي ، فمرّ به خنزير فهمّ بقتله ، فرآه ضعيفا جدّا ، فسأله عن حاله فأخبره بما هو من أضرار اللّجام واللّبب والحزام ، وسأله أن يصنع معه معروفا ، ويخلّصه مما هو فيه . فسأله الخنزير عن الذّنب الّذي أوقعه في تلك العقوبة ، فزعم الفرس ألّا ذنب له ، فقال له الخنزير : كذبت ، ولو صدقت خلّصتك ممّا أنت فيه ، ومن جهل ذنوبه وأصرّ عليها لم يرج فلاحه ، فحدّثني يا فرس عن ابتداء أمرك فيما نزل بك ، وعن حالك قبل ذلك ، فصدقه الفرس ، وأخبره بجميع أمره ، وكيف كان [ عند ] « 3 » فارسه مكرّما وكيف فارقه ، وما لقي في طريقه إلى حين اجتماعه بالخنزير . فقال الخنزير : قاتلك اللّه ! لقد كفرت النّعم ، وأكثرت الذّنوب ؛ منها خلافك لفارسك الّذي بالغ في الإحسان إليك ، وأعدّك لمهمّاته ، ومنها كفرك إحسانه ، ومنها تعدّيك على ما ليس لك وهو السّرج واللّجام ، ومنها إساءتك لنفسك « 4 » بتعاطيك التّوحّش الّذي لست من أهله ، ولا لك عليه مقدرة ، ومنها إصرارك على ذنبك ، وكنت قادرا على العود إلى فارسك قبل أن يوهنك « 5 » اللّجام والجوع والحزام واللّبب بالألم . فقال الفرس للخنزير : قد عرفت ذنبي ، فانطلق عنّي ودعني ، فإني أستحقّ أضعاف ما أنا فيه ، فقال الخنزير : بعد أن اعترفت وعدت على نفسك باللّوم « 6 » ، واخترت لها العقوبة على جهلها ؛ تعيّن الشّروع في خلاصك . ثم إنّ الخنزير قطع عذار اللّجام فسقط وقطع الحزام ، فنفّس عن الفرس [ ما يجد ] « 7 » .
--> ( 1 ) من ب . ( 2 ) اللبب : ما يشد به صدر الدابة ليمنع استئخار الرحل . ( 3 ) من ب . ( 4 ) ب : « على نفسك » . ( 5 ) ط : « يوهيك » . ( 6 ) ب : « بالملام » . ( 7 ) تكلمة من ط .