علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
140
ثمرات الأوراق
فقال الوليد : صدقت ، وها نحن نقترح لك ما تقتضيه . قد بلغنا أن رجلا من رعيّتنا سعى في ضرر ملكنا ، فأثّر سعيه ، وشقّ ذلك علينا ، فهل سمعت بذلك ؟ فقال الكهل : نعم يا أمير المؤمنين . فقال له الوليد : قل الآن على حسب ما سمعت ، وعلى ما ترى من التّدبير . فقال : يا أمير المؤمنين ، بلغني عن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، أنه لمّا ندب النّاس لقتال عبد اللّه بن الزّبير ، وخرج بهم متوجّها إلى مكّة - حرسها اللّه تعالى - استصحب عمرو بن سعيد بن العاص ، وكان عمرو قد انطوى على فساد نيّة ، وخبث طويّة وطماعية في نيل الخلافة ، وكان أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قد فطن لذلك ، إلّا أنّه كان يحترمه . ولمّا أبعد أمير المؤمنين عن دمشق تمارض عمرو بن سعيد ، فاستأذن أمير المؤمنين في العود إلى دمشق فأذن له فلمّا دخل عمرو دمشق ، صعد المنبر فخطب النّاس خطبة نال فيها من الخليفة ، واستولى على دمشق ، ودعا النّاس إلى خلع عبد الملك ، فأجابوه إلى ذلك وبايعوه ؛ وحصّن بعد ذلك سور دمشق ، وحمى حوزتها ، فبلغ ذلك عبد الملك وهو متوجّه إلى ابن الزّبير ، وبلغه مع « 1 » ذلك أنّ والي حمص قد نزع يده من الطّاعة ، وأنّ أهل الثّغور قد تشوّفوا « 2 » للخلاف . فأحضر وزراءه ، فأطلعهم على ما بلغه ، وقال لهم : إنّ دمشق دار ملكنا قد استولى عليها عمرو بن سعيد ، وهذا عبد اللّه بن الزّبير قد استولى على الحجاز والعراق واليمن ومصر وخراسان ؛ وهذا النّعمان بن بشير أمير حمص وزفر بن الحارث أمير فلسطين قد خرجا عن الطّاعة ، وبايعا النّاس لابن الزّبير ، وهذه المضريّة بسيوفها تطالبنا بقتلى المرج « 3 » . فلمّا سمع وزراؤه مقالته ، ذهلت عقولهم ، فقال لهم عبد الملك : مالكم لا تنطقون ! هذا وقت الحاجة إليكم . فقال أفضلهم : وددت أن أكون طيرا على عود تهامة ، حتى تنقضي هذه الفتن . فلمّا سمع عبد الملك مقالة صاحبه ، قام وأمرهم بلزوم موضعهم ، وركب منفردا ، وأمر جماعة من شجعانه أن يتبعوه متباعدين ، ففعلوا . وسار عبد الملك حتّى انتهى إلى شيخ ضعيف البدن ، سيّئ الحال وهو يجمع سمّاقا « 4 » ؛ فسلّم عليه عبد الملك ، وانسه بحديثه ، ثم قال له : أيّها الشيخ ألك علم بنزل هذا العسكر ؟
--> ( 1 ) ط : « من » . ( 2 ) تشوفوا للخلاف : تطلعت نفوسهم إليه . ( 3 ) مرج راهط : موضع بنواحي بدمشق : كانت به وقعة مشهورة بين قيس وتغلب سنة 65 ه . ( 4 ) السماق : كرمان ثمر يشهى .