علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
132
ثمرات الأوراق
كتّابي « 1 » إذا رأى المال ، فليكن ما جرى بيننا مطويّا . فقلت : سبحان اللّه ! فقال : إذا كان غدا فصر إلى المجلس لترى ما أعاملك به . فقمت فأمر الغلمان أن يسيروا في خدمتي بأجمعهم إلى داري . ولمّا أصبحت جئته ، فبالغ في الإكرام والتّعظيم ، وأمر بإنشاء الكتب إلى عمّال النّواحي بإعزازي وإعزاز وكلائي ، وحماية أملاكي ، فشكرته وقمت . فأمر الغلمان أيضا بالمشي بين يديّ ، والحجّاب والناس يتعجّبون من ذلك ، ولم يعلم أحد ما السبب ؛ وما حدّثت بهذا الحديث إلّا بعد القبض عليه « 2 » . وذكر ابن الجوزيّ في الباب التاسع من كتاب الحمقى والمغفلين أنّ جماعة من العقلاء صدر عنهم أفعال الحمقى ، وأصرّوا على ذلك مستصوبين لها ، فصاروا بذلك الإصرار حمقى ومغفّلين . فأوّل القوم إبليس لعنه اللّه تعالى ؛ فإنه صوّب نفسه ، وخطّأ حكمة اللّه تعالى ، ورمى عن قوس الاعتراض في عدم السّجود لآدم عليه السّلام ، ثم قال : أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * [ الأعراف : 14 ] ؛ فصارت لذّته في إيقاع العاصي في الذنب كأنه يغيط بذلك ، أو نسي عقابه الدّائم ! فلا حمق كحمقه ، ولا غفلة كغفلته ، لعنه اللّه في الدارين . وللّه درّ القائل في إبليس : عجبت من إبليس في غفلته * وخبث ما أظهر من نيّته تاه على آدم في سجدته * وصار قوّادا لذرّيّته والثاني : فرعون في دعواه الرّبوبيّة ، وافتخاره بقوله : أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [ الزخرف : 51 ] ؛ فافتخر بساقية لا هو أجراها ، ولا يعرف مبداها ولا منتهاها ، ونسي أمثالها مما ليس تحت قدرته ؛ وليس في الحمق أعظم من ادّعائه الإلهية . وقد ضربت الحكماء بذلك مثلا فقالوا : دخل إبليس على فرعون فقال له : من أنت ؟ قال : إبليس ، فقال : ما جاء بك ؟ قال : جئت متعجّبا من جنونك ، قال : وكيف ؟ قال : أنا عاديت مخلوقا مثلي فامتنعت من السّجود له فطردت ولعنت ، وأنت تدّعي أنّك إله ! هذا واللّه هو الحمق والجنون البارد « 3 » . ومن عجيب الحمق والتغفّل اتّخاذ الأصنام باليد ، والإقبال على عبادتها ، والإله ينبغي أن يفعل ولا يفعل . وكذلك نمرود في بنائه الصّرح ، ثم رميه بنشّابة يريد أن يقتل إله السّموات والأرض .
--> ( 1 ) كذا في أو كتاب « أخبار الحمقى » وفي باقي الأصول « أحسن كتابي » . ( 2 ) أخبار الحمقى : 34 - 37 . ( 3 ) أخبار الحمقى : 43 ، 44 .