علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )
127
ثمرات الأوراق
الشّأن ، وكان يحبّ التّنزّه والصّيد ، وكان له كلب قد ربّاه لا يفارقه ، فخرج يوما إلى بعض متنزّهاته ، وقال لبعض غلمانه : قل للطّباخ يصلح لنا ثردة « 1 » بلبن ؛ فجاؤوا باللّبن إلى الطباخ ، ونسي أن يغطّيه بشيء ، واشتغل بالطّبخ ، فخرجت من بعض الشّقوق أفعى ، فكرعت في ذلك اللّبن ؛ ومجّت في الثّردة والكلب رابض يرى ذلك ، ولم يجد له حيلة يصل بها إلى الأفعى . وكان هناك جارية زمنة خرساء ، قد رأت ما صنعت الأفعى ؛ وكان قد « 2 » وافى الملك من الصيد في آخر النهار ، فقال : يا غلمان أدركوني بالثّردة ، فلمّا وضعت بين يديه ، أو مأت الخرساء إليه ، فلم يفهم ما تقول ، ونبح الكلب وصاح فلم يلتفت إليه ، ولجّ في الصّياح فلم يعلم مراده ، فقال للغلمان : نحّوه عني ، ومدّ يده إلى اللّبن ، [ من ] « 3 » بعد ما رمى إلى الكلب ما كان يرمي إليه ، فلم يلتفت الكلب إلى شيء من ذلك ، ولم يلتفت إلى غير الملك ، فلمّا رآه يريد أن يضع اللقمة من اللبن في فمه ، وثب « 4 » إلى وسط المائدة ، وأدخل فمه وكرع من اللّبن فسقط ميّتا ، وتناثر لحمه ، وبقي الملك متعجّبا من الكلب ومن فعله ، فأومأت الخرساء إليه فعرفوا مرادها ، وما صنع الكلب . فقال الملك لحاشيته : هذا الكلب فداني بنفسه ، وقد وجب أن نكافئه ، وما يحمله ويدفنه غيري . فدفنه ؛ وبنى عليه القبّة التي رأيتها « 5 » . * * * نوادر الحمقى قلت : قد أوردنا نبذة لطيفة من كتاب الأذكياء لابن الجوزيّ مختلفة الأنواع ، وقد تعيّن أن نورد هاهنا نبذة لطيفة من كتاب الحمقى والمغفلين ؛ لأنه قال في كتاب الحمقى : ما وضعت ذلك إلّا لأنّ النفس قد تملّ من ملامة الجدّ ، وترتاح إلى بعض المباح من اللّهو ، كما ورد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال لحنظلة : « ساعة وساعة » . وعن عليّ رضي اللّه عنه قال : « روّحوا القلوب بطرائف الحكم ، فإنّها تملّ كما تملّ الأبدان » . وكان رجل « 6 » يجالس أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويحدّثهم ، فإذا أكثروا وثقل عليه الحديث ، قال : إنّ الأذن مجّاجة وإن القلوب حمضة ؛ هاتوا من أشعاركم وحديثكم .
--> ( 1 ) في ط : « ومج في الثريد » . ( 2 ) تكملة من « ب » . ( 3 ) تكملة من « ب » . ( 4 ) في أ ، ب : « طفر » . ( 5 ) الأذكياء : 149 ، 150 . ( 6 ) كذا في كتاب الحمقى ، وفي الأصول : « الرجل » .