علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

117

ثمرات الأوراق

الأمين إلى إياس ليأخذ المال الموعود به ، فزجره وقال له : لا تقربني بعد هذا يا خائن « 1 » . ومثله : ولي القضاء بواسط رجل ثقة مشهور بالدّين والذّكاء المفرط فجاءه رجل استودع بعض الشّهود كيسا مختوما ذكر أنّ فيه ألف دينار فلمّا حصل الكيس عند الشّاهد وطالت غيبة المودع ظنّ أنّه قد مات ، فهمّ بإنفاق المال ، وخشي من مجيء صاحبه ، ففتق الكيس من أسفله ، وأخذ الدنانير ، وجعل مكانها دراهم ، وأعاد الخياطة كما كانت . فقدّر أنّ الرّجل حضر إلى واسط ، وطالب الشّاهد بوديعته ، فأعطاه الكيس بختمه ، فلمّا حصل في منزله فضّ ختمه ، فإذا في الكيس دراهم ، فرجع إلى الشّاهد ، وقال له : أردد عليّ مالي ، فإنّي أودعتك دنانير ، والذي وجدت دراهم ، فأنكر [ فأمر بإحضار الشاهد مع خصمه ] « 2 » فاستعدى عليه القاضي المتقدم ذكره فلمّا حضر بين يديه قال الحاكم للمستودع : منذ كم أودعك الكيس ؟ قال : منذ خمس عشرة سنة ، فقال القاضي لصاحب الكيس أحضر لي الدّراهم ، فأحضرها ، فقال القاضي للشّهود : اعتبروا تواريخ الدّراهم ، فقرأوا سككها فإذا فيها ماله مدّة سنتين ؟ وثلاث سنين ، ونحو ذلك ، فأمره أن يدفع له الدّنانير ، فدفعها ، وعزّره القاضي ، وطاف به البلد ، وأسقطه « 3 » . ومثله بل أغرب منه : أنّ رجلا استودع رجلا مالا ، ثم طلبه فجحده ، فخاصمه إلى إياس ، وقال المدّعي : إنّي أطالبه بما أودعته إيّاه ، وقدره كذا وكذا ، فقال له إياس : ومن حضرك ؟ قال : ربّ العزّة كان حاضرا ، قال : دفعته إليه في أيّ مكان ؟ قال : في موضع كذا ، قال : فأيّ شيء تعهده من ذلك الموضع ؟ قال : شجرة عظيمة ، قال : فانطلق إلى الموضع ، وانظر إلى الشجرة ، لعلّ اللّه يظهر لك علامة يتبيّن بها حقّك ، ولعلك دفنت مالك تحت الشجرة فنسيت فتذكره إذا رأيت الشّجرة . فمضى الرجل مسرعا . فقال إياس للرجل المدّعى عليه : اقعد حتّى يرجع خصمك ، فجلس ، وإياس يقضي بين النّاس وينظر إليه بعد ذلك ، ثمّ قال له : يا هذا أترى صاحبك بلغ موضع الشجرة الّتي ذكرها ؟ قال : لا ، فقال له : واللّه يا عدوّ اللّه إنّك لخائن ، فقال : أقلني أقالك اللّه ! فأمر بحفظه حتّى جاء الرّجل ، فقال له إياس : قد أقرّ لك بحقّك فخذه « 4 » . ومن لطائف المنقول من كتاب الأذكياء ، أنّ يحيى بن أكثم القاضي ولي القضاء بالبصرة وسنّه عشرون سنة ، فاستصغره أهل البصرة ، فقال أحدهم : كم سنّ القاضي ؟ فعلم يحيى أنّه استصغره ، فقال : أنا أكبر من عتّاب بن أسيد حين بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

--> ( 1 ) الأذكياء 40 ، 41 . ( 2 ) تكملة من كتاب الأذكياء . ( 3 ) الأذكياء : 41 . ( 4 ) . الأذكياء : 42 .