ابن حجر العسقلاني

253

فتح الباري

جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو ولم يأته أحد من الرجال في تلك المدة إلا رده وقائل ذلك يشبه أن يكون هو عمر لما سيأتي وسمي الواقدي ممن قال ذلك أيضا أسيد بن حضير وسعد بن عبادة وسيأتي في المغازي أن سهل بن حنيف كان ممن أنكر ذلك أيضا ولمسلم من حديث أنس بن مالك أن قريشا صالحت النبي صلى الله عليه وسلم على أنه من جاء منكم لم نرده عليكم ومن جاءكم منا رددتموه إلينا فقالوا يا رسول الله أنكتب هذا قال نعم أنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله ومن جاء منهم إلينا فسيجعل الله له فرجا ومخرجا وزاد أبو الأسود عن عروة هنا ولابن عائذ من حديث ابن عباس نحوه فلما لان بعضهم لبعض في الصلح وهم على ذلك إذ رمى رجل من الفريقين رجلا من الفريق الاخر فتصايح الفريقان وارتهن كل من الفريقين من عندهم فارتهن المشركون عثمان ومن أتاهم من المسلمين وارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن معه ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البيعة فبايعوه تحت الشجرة على أن لا يفروا وبلغ ذلك المشركين فأرعبهم الله فأرسلوا من كان مرتهنا ودعوا إلى الموادعة وأنزل الله تعالى وهو الذي كف أيديهم عنكم الآية وسيأتي في غزوة الحديبية بيان من أخرج هذه القصة موصولة وكيفية البيعة عند الشجرة والاختلاف في عدد من بايع وفي سبب البيعة إن شاء الله تعالى ( قوله فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل ) بالجيم والنون وزن جعفر وكان اسمه العاصي فتركه لما أسلم وله أخ اسمه عبد الله أسلم أيضا قديما وحضر مع المشركين بدرا ففر منهم إلى المسلمين ثم كان معهم بالحديبية ووهم من جعلهما واحدا وقد استشهد عبد الله باليمامة قبل أبي جندل بمدة وأما أبو جندل فكان حبس بمكة ومنع من الهجرة وعذب بسبب الاسلام كما في حديث الباب وفي رواية بن إسحاق فإن الصحيفة لتكتب إذ طلع أبو جندل بن سهيل وكان أبوه حبسه فأفلت وفي رواية أبو الأسود عن عروة وكان سهيل أوثقه وسجنه حين أسلم فخرج من السجن وتنكب الطريق وركب الجبال حتى هبط على المسلمين ففرح به المسلمون وتلقوه ( قوله يرسف ) بفتح أوله وضم المهملة وبالفاء أي يمشي مشيا بطيئا بسبب القيد ( قوله فقال سهيل هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه أن ترده إلي ) زاد ابن إسحاق في روايته فقام سهيل بن عمرو إلى أبي جندل فضرب وجهه وأخذ يلببه ( قوله إن لم نقض الكتاب ) أي لم نفرغ من كتابته ( قوله فأجزه لي ) بصيغة فعل الامر من الإجازة أي أمض لي فعلي فيه فلا أرده إليك أو أستثنيه من القضية ووقع في الجمع للحميدي فأجره بالراء ورجح ابن الجوزي الزاي وفيه أن الاعتبار في العقود بالقول ولو تأخرت الكتابة والاشهاد ولأجل ذلك أمضى النبي صلى الله عليه وسلم لسهيل الامر في رد ابنه إليه وكان النبي صلى الله عليه وسلم تلطف معه بقوله لم نقض الكتاب بعد رجاء أن يجيبه لذلك ولا ينكره بقية قريش لكونه ولده فلما أصر على الامتناع تركه له ( قوله قال مكرز بل ) كذا للأكثر بلفظ الاضراب وللكشميهني بلى ولم يذكر هنا ما أجاب به سهيل مكرزا في ذلك قيل في الذي وقع من مكرز في هذه القصة إشكال لأنه خلاف ما وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم من الفجور وكان من الظاهر أن يساعد سهيلا على أبي جندل فكيف وقع منه عكس ذلك وأجيب بأن الفجور حقيقة ولا يلزم أن لا يقع منه شئ من البر نادرا أو قال ذلك نفاقا وفي باطنه خلافه أو كان سمع قول النبي صلى الله عليه وسلم إنه رجل فاجر فأراد أن يظهر خلاف ذلك وهو من جملة فجوره وزعم بعض الشراح أن سهيلا لم يجب سؤاله لان مكرزا لم يكن