ابن حجر العسقلاني

159

فتح الباري

الا على حق وقد قال في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه قال فلا إذا تاسعها عمل الخليفتين أبي بكر وعمر بعد النبي صلى الله عليه وسلم على عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الامر للندب فأما أبو بكر فرواه الموطأ بإسناد صحيح عن عائشة أن أبا بكر قال لها في مرض موته إني كنت نحلتك نحلا فلو كنت اخترتيه لكان لك وإنما هو اليوم للوارث وأما عمر فذكره الطحاوي وغيره أنه نحل ابنه عاصما دون سائر ولده وقد أجاب عروة عن قصة عائشة بأن اخوتها كانوا راضين بذلك ويجاب بمثل ذلك عن قصة عمر عاشر الأجوبة أن الاجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده فإذا جاز له أن يخرج جميع ولده من ماله جاز له أن يخرج عن ذلك بعضهم ذكره بن عبد البر ولا يخفى ضعفه لأنه قياس مع وجود النص وزعم بعضهم أن معنى قوله لا أشهد على جور أي لا أشهد على ميل الأب لبعض الأولاد دون بعض وفي هذا نظر لا يخفى ويرده قوله في الرواية لا أشهد الا على الحق وحكى ابن التين عن الداودي أن بعض المالكية احتج بالاجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان ثم رده عليه واستدل به أيضا على أن للأب أن يرجع فيما وهبه لابنه وكذلك الام وهو قول أكثر الفقهاء الا أن المالكية فرقوا بين الأب والام فقالوا للام أن ترجع إن كان الأب حيا دون ما إذا مات وقيدوا رجوع الأب بما إذا كان الابن الموهب له لم يستحدث دينا أو ينكح وبذلك قال إسحاق وقال الشافعي للأب الرجوع مطلقا وقال أحمد لا يحل لواهب أن يرجع في هبته مطلقا وقال الكوفيون إن كان الموهوب صغيرا لم يكن للأب الرجوع وكذا إن كان كبيرا وقبضها قالوا وأن كانت الهبة لزوج من زوجته أو بالعكس أو لذي رحم لم يجز الرجوع في شئ من ذلك ووافقهم إسحاق في ذي الرحم وقال للزوجة أن ترجع بخلاف الزوج والاحتجاج لكل واحد من ذلك يطول وحجة الجمهور في استثناء الأب أن الولد وما له لأبيه فليس في الحقيقة رجوعا وعلى تقدير كونه رجوعا فربما اقتضته مصلحة التأديب ونحو ذلك وسيأتي الكلام عن هبة الزوجين في الباب بعده وفي الحديث أيضا الندب إلى التآلف بين الاخوة وترك ما يوقع بينهم الشحناء أو يورث العقوق للآباء وأن عطية الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج إلى قبض وأن الاشهاد فيها يغني عن القبض وقيل إن كانت الهبة ذهبا أو فضة فلا بد من عزلها وافرازها وفيه كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح وأن الاشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب وفيه جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض وإن وجبت التسوية بينهم في غير ذلك وفيه أن للامام الأعظم أن يتحمل الشهادة وتظهر فائدتها إما ليحكم في ذلك بعلمه عند من يجيزه أو يؤديها عند بعض نوابه وفيه مشروعية استفصال الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال لقوله ألك ولد غيره فلما قال نعم قال أفكلهم أعطيت مثله فلما قال لا قال لا أشهد فيفهم منه أنه لو قال نعم لشهد وفيه جواز تسمية الهبة صدقة وأن للامام كلاما في مصلحة الولد والمبادرة إلى قبول الحق وأمر الحاكم والمفتي بتقوى الله في كل حال وفيه إشارة إلى سوء عاقبة الحر ص والتنطع لان عمرة لو رضيت بما وهبه زوجها لولده لما رجع فيه فلما أشتد حرصها في تثبيت ذلك أفضى إلى بطلانه وقال المهلب فيه أن للامام أن يرد الهبة والوصية ممن يعرف منه هروبا عن بعض الورثة والله أعلم قوله ( باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها ) أي هل يجوز لاحد منهما الرجوع فيها ( قوله قال إبراهيم ) هو النخعي ( قوله جائزة ) أي فلا رجوع فيها وهذا الأثر وصله عبد الرزاق عن