عبد الملك الثعالبي النيسابوري

6

التمثيل والمحاضرة

وحتى يومنا هذا ، عند جميع الأمم والشعوب كافة ، وخصوصا عند العرب والمسلمين . والسبب في ذلك ، أنها تتضمن الخبرات والمعاني الصافية في نوع من الكلام شديد الإيجاز ، مما يجعلها تعلق بالأفكار والأسماع ، وتخف على الألسن فيرددها جميع الناس . وإلى هذا يذهب أبو هلال العسكري حين يقول : « ما رأيت حاجة الشريف إلى شيء من أدب اللسان بعد سلامته من اللحن ، كحاجته إلى الشاهد والمثل ، والشذر ، والكلمة السائرة ، فإن ذلك يزيد المنطق تفخيما ، ويكسبه قبولا ، ويجعل له قرارا في النفوس ، وحلاوة في الصدور ، ويدعو القلوب إلى وعيه ، ويبعثها على حفظه ، ويأخذها باستعداده لأوقات المذاكرة والاستظهار به أو ان المجادلة في ميادين المجادلة والمصاولة في حلبات المقاولة ، وإنما هو في الكلام كالتفصيل في العقد ، والتنوير في الروض ، والتسهيم في البرد « 1 » . فالأمثال هي من جهة أولى تحمل الكثير من العناصر الفنيّة التي تجعل المرء يقبل عليها لأسلوبها الراقي وبلاغتها الشفّافة الأصلية ومجازها النافذ إلى العقل والقلب والخيال ، كما هي من جهة كافية لها وظيفتها التي لا تنكر ، في التكثر والإقناع . ولهذا فقد ضربها اللّه تعالى في كتابه العزيز ، وأكثر من ضربها في مواطن إقناع الناس وموعظتهم ، عليهم يتبصرون في شؤون وشجون حياتهم . عدا عن ذلك ، فنحن نرى في سيرة الأنبياء والصالحين وأصحاب الرسائل الإنسانيّة العظيمة ، ما يدل على استخدام الأمثال في الدعوات الكبرى ، تأييدا للدعوة ، وكثيرا ما يكشفون بواسطتها عن وجوه الحق والباطل والصحة والزيف . وإلى ذلك يذهب الجاحظ في قوله : « ولن تجدوا وصايا أنبياء اللّه إلّا مبينة الأسباب ، مكشوفة العلل ، مضروبة معها الأمثال » « 2 » . كذلك فإن القادة والخطباء في الجاهلية والإسلام ، كثيرا ما كانوا يتمثلون بالأمثال ، ويستشهدون بها في خطبهم ورسائلهم . ولعلّ رسالتي ابن زيدون الجدّيّة والهزليّة ، هما أدلّ ما يكون على أن الأمثال إذا تخلّلت الكتابة ، منحتها الكثير من

--> ( 1 ) أبو هلال العسكري : جمهرة الأمثال ، المقدمة . ( 2 ) الجاحظ : ديوان المسائل . رسالة المعاش والمعاد 1 / 97 .