ابن حجر العسقلاني

116

فتح الباري

الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد به انتهى ونقله نفى التجويز عن الأكثر فيه كما سيأتي وجوابه عنهم بعدم صحة الحديث مردود ولم يقل به أحد من الفريقين لأنه مما اتفق الشيخان على صحته وتلقته الأمة بالقبول ومسئلة تأخير البيان مشهورة في كتب الأصول وفيها خلاف بين العلماء من المتكلمين وغيرهم وقد حكى ابن السمعاني في أصل المسئلة عن الشافعية أربعة أوجه الجواز مطلقا عن ابن سريج والاصطخري وابن أبي هريرة وابن خيران والمنع مطلقا عن أبي إسحاق المروزي والقاضي أبى حامد والصيرفي ثالثها جواز تأخير بيان المجمل دون العام رابعها عكسه وكلاهما عن بعض الشافعية وقال ابن الحاجب تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع الا عند مجوز تكليف ما لا يطاق يعنى وهم الأشاعرة فيجوزونه وأكثرهم يقولون لم يقع قال شارحه والخطاب المحتاج إلى البيان ضربان أحدهما ماله ظاهر وقد استعمل في خلافه والثاني ما لا ظاهر له فقال طائفة من الحنفية والمالكية وأكثر الشافعية يجوز تأخيره عن وقت الخطاب واختاره الفخر الرازي وابن الحاجب وغيرهم ومال بعض الحنفية والحنابلة كلهم إلى امتناعه وقال الكرخي يمتنع في غير المجمل وإذا تقرر ذلك فقد قال النووي تبعا لعياض وانما حمل الخيط الأبيض والأسود على ظاهرهما بعض من لا فقه عنده من الاعراب كالرجال الذين حكى عنهم سهل وبعض من لم يكن في لغته استعمال الخيط في الصبح كعدى وادعى الطحاوي والداودي انه من باب النسخ وان الحكم كان أولا على ظاهره المفهوم من الخيطين واستدل على ذلك بما نقل عن حذيفة وغيره من جواز الأكل إلى الاسفار قال ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى من الفجر ( قلت ) ويؤيد ما قاله ما رواه عبد الرزاق باسناد رجاله ثقات ان بلالا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتسحر فقال الصلاة يا رسول الله قد والله أصبحت فقال يرحم الله بلالا لولا بلال لرجونا أن يرخص لنا حتى تطلع الشمس ويستفاد من هذا الحديث كما قال عياض وجوب التوقف عن الألفاظ المشتركة وطلب بيان المراد منها وأنها لا تحمل على أظهر وجوهها وأكثر استعمالاتها الا عند عدم البيان وقال ابن بزيزة في شرح الاحكام ليس هذا من باب تأخير بيان المجملات لان الصحابة عملوا أولا على ما سبق إلى أفهامهم بمقتضى اللسان فعلى هذا فهو من باب تأخير ماله ظاهر أريد به خلاف ظاهره ( قلت ) وكلامه يقتضى ان جميع الصحابة فعلوا ما نقله سهل بن سعد وفيه نظر واستدل بالآية والحديث على أن غاية الأكل والشرب طلوع الفجر فلو طلع الفجر وهو يأكل أو يشرب فنزع تم صومه وفيه اختلاف بين العلماء ولو أكل ظانا ان الفجر لم يطلع لم يفسد صومه عند الجمهور لان الآية دلت على الإباحة إلى أن يحصل التبيين وقد روى عبد الرزاق باسناد صحيح عن ابن عباس قال أحل الله لك الأكل والشرب ما شككت ولابن أبى شيبة عن أبي بكر وعمر نحوه وروى ابن أبي شيبة من طريق أبى الضحى قال سأل رجل ابن عباس عن السحور فقال له رجل من جلسائه كل حتى لا تشك فقال ابن عباس ان هذا لا يقول شيئا كل ما شككت حتى لا تشك قال ابن المنذر والى هذا القول صار أكثر العلماء وقال مالك يقضى وقال ابن بزيزة في شرح الاحكام اختلفوا هل يحرم الاكل بطلوع الفجر أو بتبينه عند الناظر تمسكا بظاهر الآية واختلفوا هل يجب امساك جزء قبل طلوع الفجر أم لا بناء على الاختلاف المشهور في مقدمة الواجب وسنذكر بقية هذا البحث في الباب الذي يليه إن شاء الله