الغزالي

88

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

ويصطفي جماعة يختارهم من عباده مثل السلاطين والوزراء وأكابر العلماء ليعمر بهم الدّنيا . ومن عجائب الزمان حديث البرامكة الذين لم يوجد لهم في الدّنيا نظير في الكرم والعطاء ، وبذل المعروف والسخاء ، وكانت تحت حكمهم الولايات الوافرة المرتفعات ؛ وبعد انقراضهم فسدت أحوال الوزراء ، ولم يبق لخدمة الملوك رونق ولا نضارة إلى أن أوجد اللّه تعالى بركات آل سلجوق وظل دولتهم إلى النظام ، وأوصلهم إلى درجة الوزراء المتقدّمين وأرفع ، بحيث إنه لم يبق أحد في الدّنيا من أهل الفضل والأدباء ، وأبناء السبيل الغرباء ، من شريف ووضيع ، إلّا هو مشمول بإحسانهم ، مغمور بامتنانهم . ولم يكن أحد من خيرهم محروما ، وإنّما ذكرنا هذا ليعلم من يقرأ كتابنا هذا الفرق بين الصالح وغير الصالح . حكمة : قال بزرجمهر : لا تقاس الأشياء بعضها ببعض ؛ لأن جوهر الناس أجلّ من كل جوهر ، وإنّما زينة الدّنيا جميعها بالناس ، والباري تعالى لا ينسب إلى الخطأ وهو واهب الصلاح لمن يشاء ، وأنه يؤتي كل أحد ما يصلح له ويليق به . فينبغي أن يكون وزراء الملوك ومدبروا دولتهم على هذه الصفة ، وأن يحفظوا رسوم المتقدّمين وطرائقهم ، وأن يلتمسوا الأموال التي تؤخذ من الرعية بحسب طاقتها وقدرتها ، وأن يكونوا في تصيدهم كصائد الكركي لا قاتل العصفور . ولا يجوز أن يحرصوا على تناول أموال المواريث ما دام الوارث موجودا ، فالطمع في ذلك مشئوم غير جائز . ويجب عليهم استمالة قلوب الرعية والحشم ، بهبات الفوائد والنعم ؛ ليعلموا أن كفايتهم وسمو مرتبتهم وصلاحهم منوط بصلاح الرعية ، ليحسن ذكرهم في الدّنيا وينالوا جزيل الثواب في العقبى .