الغزالي

86

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

ويجب أن يكون الوزير عالما عاقلا شيخا ؛ لأن الشاب وإن كان عاقلا لا يكون في التجربة كالشيخ ، والذي يتعلّمه الناس من تجارب الأيام لا يتعلّم إلّا من المشايخ . والوزير زين السلطنة ، والزين يجب أن يكون صالحا طاهرا من الشين . ويحتاج الوزير إلى خمسة أشياء لتحمد خبرته ، وتحسن سيرته : التيقّظ ليظهر في كل أمر يدخل فيه له وجه المخرج منه ، والعلم حتى تتّضح له الأمور الحقيقية ، والشجاعة حتى لا يخاف من شيء في غير موضع الخوف ، والصدق لئلا يعمل مع أحد غير الصحيح ، وكتمان سر السلطان إلى أن يدركه الموت . قال أزدشير بن بابك : يجب أن يكون الوزير ساكنا ، متمهلا ، شجاعا ، واسع الصدر ، حسن المقال ، مليح الوجه ، مستحييا ، صامتا حيث يحسن الصمت ، ومتكلما إذا حسن الكلام ، ومع ذلك يجب أن يكون تقيّا حسن المذهب ليطهر نفسه وينفي عنها كل ما لا يليق . ولا بد من حسن الاعتقاد ؛ وينبغي أن يكون ذا تجارب ليسهل الأمور على الملك ، متيقظا لينظر عواقب الأمور ، ويخاف عليه من تصاريف الدهور ، ويتحفّظ أن يصيبه عيب الزمان . وكل ملك كان وزيره له محبّا وعليه مشفقا ، كان ذلك الوزير كثير الأعداء ، وكان أعداؤه أكثر من أصدقائه . ولا يجوز للسلطان أن يسمع في وزيره كلام المحرّضين عليه الساعين به إليه ليحسده أصدقاؤه ، وتنكبت أعداؤه . ويجب أن يكون الوزير محمود الطريقة ، حتى إذا رأى في الملك خلة مذمومة غير رشيدة ردّه إلى العادة المستقيمة الحميدة من غير غلظة شديدة ، لأن الملك إذا كان على ما لا يريده وسمع ما يكرهه منه من التقريع عمل شرّا من ذلك ؛ والدليل على ذلك أن البارئ تعالى لما أرسل موسى إلى فرعون بأمره قال عزّ من قائل : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [ طه : 44 ] وإذا كان الحق سبحانه وتعالى أمر نبيّه عليه السلام أن يقول لعدوّه قولا لينا فالناس أجدر أن يلينوا أقوالهم . وإن كان السلطان يخشن كلامه ، فلا يجوز للوزير أن يحقد عليه ، ويصبر على كلامه في قلبه ، فإن قدرة الملك تطلق لسانه فينطق بما يريد . وإذا كان الوزير محبّا للملك ، صحيح المقال ، حسن الفعال ، كان له عونا على ذلك وأمره بالملازمة لذلك ؛ ولا يجوز أن يعدد حسناته على الملك ولا يمتن بها عليه . قال أهل الفطنة : إذا أحسنت إلى أحد وعددت حسناتك عليه ، كان شرّا من الامتنان تقريعك عليه . وينبغي أن يعلم الوزير وسائر خاصة الملك أنهم مهما فعلوه من حسن فإن ذلك بإقبال الملك وببركة ظله انفعل ، فالمنّة حينئذ تصلح أن تكون له على الناس .