الغزالي

82

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

وقف المنادي على باب الملك ونادى : إن منع انسان إنسانا من الدخول على الملك كان الملك بريئا من دمه . ثم كانت تؤخذ القصص من الناس وتوضع بين يدي الملك ، وكان ينظر في كل واحدة منها على الانفراد ، وموبذان قاعد عن يمينه ( وموبذان بلسانهم قاضي القضاة ) وإن كان في القصص قصة يتألم فيها من الملك قام الملك من مقامه وبرك بين يدي موبذ موبذان مقابل خصمه وقال : أنصف أولا هذا الرجل مني ، ولا تخلد إلى الميل والمحاباة ، ولا تخترني عن نفسك ، لأن اللّه تعالى إذا أهدى الحظوظ إلى عباده اختار لهم وولى عليهم خير خلقه ، وإذا أراد أن يرى عباده أي قدر لذلك الخليفة عنده أطلق على لسانه ما لم يطلق على لسانك . ثم كان ينظر الموبذان فإن كان بين الملك وخصمه دعوى صحيحة وقامت البينة على الملك أخذ الحق منه بتمامه وكماله ، وإن لم يكن بين الملك وخصمه دعوى صحيحة وكانت دعواه باطلة لا يثبت على صحتها حجة أمر بعقوبته ونادى عليه : هذا جزاء من يريد عيب الملك والمملكة . وكان الملك إذا فرغ من الدعاوى واستوى على سرير ملكه ، وضع التاج على مفرقه وأقبل على جماعته وخاصته وقال : إنّما أنصفت من نفسي لئلا يطمع أحد منكم في الظلم والجور على أحد ، فكل من كان له منكم خصم فليرضه . وكان يبعد في ذلك اليوم كل من كان قريبا منه ، ومن كان قويّا ضعف عنده . وكانت الملوك على هذا السبيل وعلى هذا المذهب إلى أيام يزدجرد الأثيم ، فإنه غيّر قواعد بني ساسان ، وظلم الخلق وأفسد ، حتى جاء في بعض الأيام فرس في غاية الجودة والكمال ، بحيث أنه لم ير أحد في ذلك الزمان مثله في حسن خلقته ، وجمال هيئته ، فدخل من باب الدار واجتهد جميع من في عسكره أن يلزموه ، فامتنع منهم ولم يقدروا على إمساكه حتى وصل قريبا من يزدجرد ، فوقف إلى جانب الإيوان ساكنا ، فقال يزدجرد : تنحوا عن هذا الفرس فلا يقربه أحد منكم ، فإنه هدية من اللّه تعالى خاصة لي . فنهض من مكانه وجعل يمسح وجهه قليلا ، ثم أمرّ يده على ظهر الفرس والفرس ساكن لا يتحرّك ، فاستدعى يزدجرد السرج فأسرجه بيده ، وجذب حزامه ، وأوثقه ، وانحرف نحو كفله ليضع الثّفر فيه ، فرفسه الفرس على فؤاده رفسة محكمة فخرّ ميتا في الحال . وخرج الفرس ، ولم يعلم أحد من أين جاء ولا إلى أين ذهب ؛ فقال الناس : كان هذا الفرس ملكا أرسله اللّه تعالى ليهلكه ويخلّصنا من جوره وظلمه . حكاية : قال القاضي أبو يوسف : حضر عندي في مجلس حكمي يحيى بن خالد البرمكي مع خصم له مجوسي ، فادعى المجوسي عليه ، فطلب منه الشاهد ، فقال :