الغزالي

71

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

فلمّا رفع رأسه قال لأصحابه : إن خصب السنين من عدل السلاطين ، وحسن نيّتهم إلى رعيتهم ؛ فالمنّة للّه تعالى الذي أظهر حسن نيّتنا في سائر الأشياء . وإنّما قال ذلك لأنه جرّبه في الأوقات . حكاية : يقال إن أنوشروان الملك العادل خرج يوما إلى الصيد ، فانفرد من عسكره خلف الصيد ، فرأى ضيعة بالقرب منه وكان قد عطش فقصد الضيعة وأتى باب دار قوم وطلب ماء ليشرب ، فخرجت صبية فأبصرته ثم عادت إلى البيت فدقّت قصبة واحدة من قصب السكر ومزجت ما عصرته منها بالماء ووضعته في القدح ، فرأى فيه ترابا وقذى فشرب منه قليلا قليلا حتى انتهى لآخره وقال للصبية « سادناس » أي نعم الماء لولا قذى كدره ؛ فقالت « يا شرهيك » أنا عمدا ألقيت فيه القذى ؛ فقال : ولم فعلت ذاك ؟ فقالت : رأيتك شديد العطش ، ولو لم يكن فيه القذى لشربته نوبة واحدة وقد يضرك شربه . فتعجّب أنوشروان من كلامها وعلم أنها قالته عن ذكاء وفطنة . ثم قال لها : من كم عصرت ذلك الماء ؟ فقالت : من قصبة واحدة . فتعجّب أنوشروان وأضمر في نفسه أنه إذا عاد يأمر بزيادة الخراج على تلك الناحية . ثم عاد إلى تلك الناحية بعد وقت آخر ، واجتاز على ذلك الباب منفردا وطلب ماء ، فخرجت إليه تلك الصبية بعينها فعرفته ، ثم عادت لتخرج الماء فأبطأت عليه ، فاستعجلها أنوشروان وقال : لأي شيء أبطأت ؟ قالت : لأنه لم يخرج من قصبة واحدة قدر حاجتك ، وقد دققت ثلاث قصبات ولم يخرج منها قدر ما كان يخرج من قصبة واحدة . فقال أنوشروان : وما سبب ذلك العجز ؟ فقالت : سببه تغيّر نيّة السلطان ، فقد قيل إنه إذا تغيّرت نيّة السلطان على قوم طارت بركاتهم وقلّت خيراتهم ، فضحك أنوشروان وعجب من قول الصبية وأزال من نفسه ما كان أضمره لهم وتزوج الصبية لحسن ذكائها وفصاحة كلامها . حكمة : يقال إن الصادقين من الناس ثلاثة : الأنبياء ، والملوك ، والمجانين . وقيل : السكر جنون ، وإن المجنون يخاف من السكران لأن المجنون سكره باطن والسكران جنونه ظاهر . والويل لمن يبقى في سكر الغفلة دائما كما قال الشاعر : من أسكرته الخمر في عقله * ليس عليه إن صحا من خجل ومن يكن بالملك ذا سكرة * يصح إذا ما الملك عنه انتقل والقليل جدّا من كان من سكر سلطنته صاحيا ، وكان المقدم على أعماله ثقة نصوحا معينا .