الغزالي
65
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
حكمة : سئل أرسطاطاليس : هل يجوز أن يدعى أحد ملكا غير اللّه تعالى ؟ فقال : من وجدت فيه هذه الخصال وإن كانت عارية : العلم والعدل والسخاء والحلم والرقة وما ناسبها ، لأن الملوك إنّما كانوا ملوكا بالظل الإلهي ، وضياء الحس ، وطهارة النفس ، وتزايد العقل والعلم ، وقدم الدولة ، وشرف الأصل ، والدولة التي كانت في محتدهم وأصولهم ، فبذلك كانوا ملوكا وسلاطين . ومعنى قولهم : ( فرابرذي ) وهو الظل الإلهي ، يظهر في ستة عشر شيئا : العقل ، والعلم ، وحدّة الذكاء ، وتدارك الأشياء ، والصورة التامة ، والألمعيّة ، والفروسيّة ، والشجاعة ، والإقدام ، والتأني ، وحسن الخلق ، وإنصاف الضعيف ، ومحبة الرعية ، وإظهار الزعامة ، والاحتمال ، والمداراة في مكانها ، والرأي ، والتدبير في الأمور ، والإكثار من قراءة الأخبار ، وحفظ سير الملوك ، والفحص عن الأحوال والأعمال التي اعتمدها الملوك وعملوا بها ؛ لأن هذه الدّنيا بقية دول المتقدّمين الذين تملّكوها ، ثم مضوا وانقضوا وصاروا تذكارا للناس يذكر كل إنسان بفعله . وللآخرة كنز ، وللدّنيا كنز ؛ فكنز هذه الدّنيا حسن الثناء وطيب الذكر ، وكنز الآخرة العمل الصالح واكتساب الأجر . حكمة : كان الإسكندر في بعض الأيام قد ركب في مركب مملكته ، فقال رجل من مقدمي عسكره : إن اللّه تعالى أعطاك ملكا عظيما ، فاستكثر من النساء لتكثر أولادك فتذكر بهم بعدك . فقال : ليس ذكر الرجال بعدهم بكثرة الأولاد ، لكن بحسن السيرة وعدل النية ، ورجل غلب رجال الدّنيا لا يجوز أن تغلبه النساء . حكمة : سأل الإسكندر أرسطاطاليس : أيّما أفضل للملوك ، الشجاعة أم العدل ؟ فقال أرسطاطاليس : إذا عدل السلطان لم يحتج إلى شجاعة . حكاية : عزل الإسكندر عاملا من عماله من عمل كثير خطير ، وولّاه أمر عمل خفيف حقير ، فجاء في بعض الأيام ذلك الرجل إلى الدركاه ، فقال له الإسكندر : كيف تجد عملك ؟ فقال : أطال اللّه بقاء الملك ! الرجال لا تشرف بالأعمال ، بل الأعمال تشرف بالرجال ، وذلك بحسن السيرة والإنصاف والعدل وتجنّب الإسراف . فاستحسن الإسكندر مقاله ، وأعاد إليه أعماله .