الغزالي
60
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
إلى حدّ أقام فيه الحدّ والعقاب على ولده حتى مات . وكان إذا أنفذ عمالا إلى أعمال قال لهم : اشتروا دوابكم وأسلحتكم من أرزاقكم ، ولا تمدّوا أيديكم إلى بيت مال المسلمين ، ولا تغلقوا أبوابكم دون أرباب الحوائج . قال عبد الرحمن بن عوف : دعاني عمر بن الخطّاب ذات ليلة وقال : قد نزل بباب المدينة قافلة ، وأخاف عليهم إذا ناموا أن يسرق شيء من متاعهم . فمضيت معه فلمّا وصلنا قال لي : نم أنت ! ثم جعل يحرس القافلة طول ليلته . وقال عمر رضي اللّه عنه : يجب علي أن أسافر لأقضي حوائج الناس في أقطار الأرض لأن بها ضعفاء لا يقدرون على قصدي في حوائجهم لبعد المكان ، فينبغي أن أطوف البلاد لأشاهد أحوال العمّال وأسبر سيرتهم ، وأقضي حوائج المسلمين فلا يكون في سني عمر أبرك من هذه السنة . حكاية : قال زيد بن أسلم : رأيت ليلة عمر بن الخطّاب يطوف مع العسس ، فتبعته وقلت : أتأذن لي أن أصاحبك ؟ قال : نعم . فلمّا خرجنا من المدينة رأينا نارا من بعد ، فقلنا ربّما يكون قد نزل هناك مسافر ، فقصدنا النار فرأينا امرأة أرملة ومعها ثلاثة أطفال وهم يبكون ، وقد وضعت لهم قدرا على النار وهي تقول : إلهي أنصفني من عمر ، وخذ لي منه بالحق ! فإنه شبعان ونحن جياع . فلمّا سمع عمر بن الخطّاب ذلك تقدّم وسلّم عليها وقال : أتأذنين أن أدنو إليك ؟ فقالت : إن دنوت بخير فبسم اللّه . فتقدّم وسألها عن حالها وحال أطفالها ، فقالت : وصلت وهؤلاء الأطفال معي من مكان بعيد ، وأنا خائفة وهم جياع ، وقد بلغ مني ومنهم الجهد والجوع ، وقد منعهم عن الهجوع . فقال عمر : وأي شيء في هذا القدر ؟ فقالت : تركت فيها ماء لأشاغلهم به ليظنوا أنه طعام فيصبروا . قال زيد : فعاد أمير المؤمنين وقصد دكان الدسم فابتاع منه دسما ، ومضى إلى دكان الدقيق فابتاع منه ملء جراب ، ثم وضع الجميع على كاهله ومضى به يطلب المرأة والأطفال . فقلت : يا أمير المؤمنين ناولنيه لأحمله عنك ! فقال : إن حملته عني فمن يحمل عني ذنوبي ، ومن يحول بيني وبين دعاء تلك المرأة والأطفال عليّ ؟ وجعل يسعى وهو يبكي إلى أن وصلنا إلى المرأة ، فقالت المرأة : جزاك اللّه عنّا خير الجزاء . فأخذ عمر جزءا من الدقيق وشيئا من الدسم فوضعهما في القدر وجعل يوقد النار ، وكلّما أرادت أن تخمد نفخها والرماد يسقط على وجهه ومحاسنه ، إلى أن انطبخت القدر فوضع الطبيخ في القصعة وقال للمرأة : كلي ! فأكلت المرأة والأطفال ، فقال عمر : أيتها المرأة لا تدعين على عمر ، فإنه لم يكن عنده منك ولا من أطفالك خبر . وأول من دعي بأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ، فإن أبا بكر رضي اللّه عنه