الغزالي

57

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

ولو أن الرجلين كانا في زمن سلطان جائر لقال كل واحد منهما الكنز لي ، ولكنهما لمّا علما أن ملكهما عادل طلبا الحق ، وآثرا الصدق . وقالت الحكماء : الملك كالسوق ، فكلّ أحد يحمل إلى السوق ما يعلم أنه فيه نافق ، وما يعلم أنه كاسد لا يحمله إلى ذلك السوق . والرجلان اللذان وجدا الكنز وترافعا إلى السلطان علما أن الزهد والعدل والصدق يعزّ عند الملك ، وأن الحق له عنده نفاق ؛ فلذلك حملاه إليه ، وعرضاه عليه . وأمّا الآن في هذا الزمان فكل ما يجري على يد أمرائنا وألسنة ولاتنا فهو جزاؤنا واستحقاقنا . كما إننا رديئو الأعمال ، قبيحو الأفعال ، ذوو خيانة وقلّة أمانة . فأمراؤنا ظلمة جائرون ، وغشمة معتدون . « كما تكونوا يول عليكم » « 1 » فقد صحّ بهذا الحديث أن أفعال الخلق عائدة إلى أفعال الملك ؛ أما ترى أنه إذا وصف بعض البلاد بالعمارة ، وأن أهله في أمان وراحة ودعة وغبطة ، فإن ذلك دليل على عدل الملك وعقله وسداده وحسن نيّته في رعيته ومع أهل ولايته ، وأن ليس ذلك من الرعية ؟ فقد صحّ ما قالته الحكماء : « الناس بملوكهم أشبه منهم بزمانهم » . وقد جاء في الخبر أيضا : « الناس على دين ملوكهم » « 2 » .

--> ( 1 ) قال في كشف الخفاء [ جزء 2 - صفحة 992 ] رقم 1997 ، حديث « كما تكونوا يولى عليكم - أو يؤمر عليكم » : قال في الأصل : رواه الحاكم ومن طريقه الديلمي عن أبي بكرة مرفوعا . وأخرجه البيهقي بلفظ : ( يؤمر عليكم ) بدون شك وبحذف أبي بكرة فهو منقطع . وأخرجه ابن جميع في معجمه والقضاعي عن أبي بكرة بلفظ : ( يولى عليكم ) بدون شك وفي سنده مجاهيل . ورواه الطبراني بمعناه عن الحسن : أنه سمع رجلا يدعو على الحجاج فقال له : لا تفعل إنكم من أنفسكم أتيتم إنا نخاف إن عزل الحجاج أو مات أن يتولى عليكم القردة والخنازير ، فقد روي ؛ أن أعمالكم عمالكم وكما تكونوا يولى عليكم . وفي فتاوى ابن حجر : وقال النجم ؛ روى ابن أبي شيبة عن منصور بن أبي الأسود قال : سألت الأعمش عن قوله تعالى : وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً ما سمعتهم يقولون فيه ؟ قال : سمعتهم : إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم . وروى البيهقي عن كعب قال : إن لكل زمان ملكا يبعثه اللّه على نحو قلوب أهله فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم مصلحا وإذا أراد هلاكهم بعث عليهم مترفيهم . ( 2 ) قال في كشف الخفاء [ جزء 2 - صفحة 1788 ] رقم 2790 ، حديث « الناس على دين مليكهم - أو ملوكهم » : قال في المقاصد : لا أعرفه حديثا . ويتأيد بما للطبراني في الكبير والأوسط عن أبي أمامة مرفوعا : لا تسبوا الأئمة وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم لكم صلاح . وللبيهقي عن كعب الأحبار قال : إن لكل زمان ملكا يبعثه اللّه على نحو قلوب أهله فإذا أراد صلاحهم بعث عليهم مصلحا ، وإذا أراد هلكتهم بعث فيه مترفيهم - إلى غير ذلك مما بينه السخاوي وفي مفاخر الملوك .