الغزالي

55

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

وعن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه تعالى لما أهبط آدم إلى الأرض أوحى إليه أربع كلمات وقال : يا آدم علمك وعلم جميع ذريّتك على هذه الكلمات الأربع ، وهي : كلمة لي ، وكلمة لك ، وكلمة بيني وبينك ، وكلمة بينك وبين الناس . أمّا الكلمة التي لي فيها أن تعبدني لا تشرك بي شيئا . وأمّا التي هي لك فأنا أجازيك بعملك . وأمّا الكلمة التي هي بيني وبينك ، فمنك الدعاء ومني الإجابة . وأمّا الكلمة التي بينك وبين الناس فهي أن تعدل فيهم وتنصف بينهم » « 1 » . وقال قتادة : الظلم ثلاثة أضرب : ظلم لا يغفر لصاحبه ، وظلم لا يدوم ، وظلم يغفر لصاحبه . فأمّا الذي لا يغفر لصاحبه فهو الشرك باللّه تعالى ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] . وأمّا الظلم الذي لا يدوم فهو ظلم العباد بعضهم لبعض . وأمّا الظلم الذي يغفر لصاحبه فهو ظلم العبد نفسه بارتكاب الذنوب ثم يرجع إلى ربه ويتوب ، فإن اللّه يغفر له برحمته ، ويدخله الجنّة بفضله . نكتة : الدين والملك توأمان مثل أخوين ولدا من بطن واحد ، فيجب أن يهتم ، ويجتنب الهوى والبدعة والمنكر والشبهة وكل ما يرجع بنقصان الشرع . وإن علم أن في ولايته من يتهم بدينه ومذهبه أمر بإحضاره وتهديده ، وزجره ووعيده ، فإن تاب ، وإلّا أوقع عليه العقاب ونفاه عن ولايته ؛ ليطهر الولاية من إغوائه وبدعته ، وتخلو من أهل الأهواء ، ويعزّ الإسلام . ويستديم عمارة الثغور بإنفاذ العساكر والحماة إليها ، ويجتهد في إعزاز الحق ، وإعادة رونق السّنة النبوية والسيرة المرضية ؛ لتحمد عند اللّه طريقته ، وتعظّم في الخلق هيبته ، وتخاف سطوته أعداؤه ، ويعلو قدره وبهاؤه ومنزلته ، ويكبر في عين أضداده ، ويعظّم عند أنداده . ويجب أن يعلم أن صلاح الناس في حسن سيرة الملك ، فينبغي للملك أن ينظر في أمور الرعية ويقف على قليلها وكثيرها ، وعظيمها وحقيرها ، ولا يشارك رعيته في الأشياء المذمومة ، والأفعال المشئومة . ويجب عليه احترام الصالحين ، وأن يثيب على الفعل الجميل ، ويمنع من الفعل الرديء الوبيل ، ويعاقب على ارتكاب القبيح ، ولا يحابي من أصرّ على المعصية ، ليرغب الناس في الخيرات ويحذروا من السيئات . ومتى كان

--> ( 1 ) نحوه في المعجم الكبير [ جزء 6 - صفحة 253 ] رقم 6137 ، دون ذكر الرابعة ، ونصه : ( يا ابن آدم ثلاث : واحدة لي وواحدة لك وواحدة بيني وبينك ؛ أما التي لي تعبدني لا تشرك بي شيئا ، وأما التي لك فما عملت من عمل جزيتك به فإن أغفر فأنا الغفور الرحيم ، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء والمسألة وعلي الاستجابة والإعطاء ) .