الغزالي

45

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

اذكر حاجتك ! فقال : إنها سرّ ولا أقولها إلّا في أذنك . فأصغى إليه بسمعه فقال : أنا ملك الموت أريد أن أقبض روحك . فقال : أمهلني بقدر ما أعود إلى بيتي وأودّع أولادي وزوجتي ! فقال : كلا لا تعود تراهم أبدا فإنك قد فنيت مدة عمرك . وأخذ روحه وهو على ظهر الفرس ، فخرّ ميتا . وعاد ملك الموت من هناك فأتى رجلا صالحا قد رضي ربّه عليه ، فسلّم عليه فرد عليه السلام ، فقال : لي إليك حاجة وهي سرّ . فقال الصالح : قل حاجتك في أذني ! فقال : أنا ملك الموت . فقال : مرحبا بك ، الحمد للّه على مجيئك فإني كنت كثير الترقّب لوصولك ، ولقد طالت عليّ غيبتك وكنت مشتاقا إلى قدومك . فقال له ملك الموت : إن كان لك شغل فاقضه . فقال : ليس لي شغل أهمّ عندي من لقاء ربي عزّ وجلّ ، فقال : كيف تحب أن أقبض روحك ؟ فإني أمرت أن أقبض روحك كيف اخترت وآثرت . فقال : اتركني كيما أتوضأ وأصلي ، فإذا أنا سجدت فخذ روحي وأنا ساجد . ففعل ملك الموت ما أمره به ونقله إلى رحمة ربّه جلّ وعلا . الحكاية الثانية : روي أنه كان ملك كثير المال قد جمع مالا كثيرا عظيما من كل نوع خلقه اللّه تعالى من متاع الدّنيا ليرفّه نفسه ، ويتفرّغ لأكل ما جمعه ، فجمع نعما طائلة ، وبنى قصرا غاليا مرتفعا ساميا يصلح للملوك والأمراء والأكابر العظماء ، وركّب عليه بابين محكمين ، وأقام عليه الغلمان الأجلاد ، والحرسة والأجناد ، والبوابين كما أراد . وأمر ببعض الأيام أن يصطنع له من أطيب الطعام ، وجمع أهل مملكته وحشمه وأصحابه وخدمه ، ليأكلوا عنده وينالوا رفده ، وجلس على سرير مملكته ، واتكأ على وسادته ، وقال : يا نفس قد جمعت نعم الدّنيا بأسرها ، فالآن أفرغي بالك وكلي هذه النعم مهنأة بالعمر الطويل والحظ الجزيل . فلم يفرغ ممّا حدّث به نفسه حتى أتى رجل من ظاهر القصر عليه ثياب رثّة خلقة ، ومخلاته في عنقه معلّقة ، على هيئة سائل يسأل الطعام ، فجاء وطرق الباب طرقة عظيمة هائلة بحيث تزعزع القصر وتزلزل ، وخاف الغلمان ووثبوا إلى الباب وصاحوا بالطارق وقالوا : يا ضعيف ما هذا الحرص وسوء الأدب ، اصبر حتى نأكل ونطعمك ممّا يفضل ! فقال لهم : قولوا لصاحبكم ليخرج إليّ فلي إليه شغل مهم ، وأمر ملمّ . فقالوا : تنحّ أيها الضعيف ، من أنت حتى تأمر صاحبنا بالخروج إليك ؟ فقال : أنتم عرّفوه ما ذكرت . فلمّا عرّفوه قال : هلّا زجرتموه ، وحردتم عليه ونهرتموه ! ثم طرق الباب أعظم من الطرقة الأولى فنهضوا من أماكنهم بالعصي والسلاح وقصدوه ليحاربوه فصاح بهم صيحة وقال : الزموا أماكنكم فأنا ملك الموت . فارتعدت فرائصهم وبطلت عن الحركة جوارحهم ، ورعبت قلوبهم ، وطاشت