الغزالي
31
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
قال عيسى عليه السلام ليحيى بن زكريا عليهما السلام : إذا ذكرك أحد بشيء وقال فيك صحيحا فاشكر اللّه ، وإن قال فيك كذبا فازدد من الشكر ، فإنه يزيد في ديوان أعمالك وأنت مستريح . يعني أن حسناته تكتب لك في ديوانك . وذكر عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجل ، فقيل : إن فلانا رجل قوي شجاع . فقال : « كيف ذاك » ؟ فقالوا : يقوى بكل أحد وما صارع أحدا إلّا صرعه . فقال عليه الصلاة والسلام : « القوي الشجاع من قهر نفسه لا من صرع غيره » « 1 » . وقال عليه الصلاة والسلام : « ثلاث من كانت فيه فقد كمل إيمانه : من كظم غيظه ، وأنصف في حال رضاه وغضبه ، وعفا عند المقدرة » . وقال عمر بن الخطّاب : لا تعتمد على خلق رجل حتى تجربه عند الغضب . حكاية : قيل عن الحسين بن علي رضي اللّه عنهما أنه بلغه عن رجل كلام يكرهه ، فأخذ طبقا مملوءا من التمر الجني وحمله بنفسه إلى دار ذلك الرجل ، فطرق الباب فقام الرجل وفتح الباب فنظر إلى الحسين ومعه الطبق ، فقال : وما هذا يا ابن بنت رسول اللّه ؟ قال : خذه فإنه بلغني عنك أنك أهديت إليّ حسناتك فقابلت بهذا . حكاية أخرى : خرج زين العابدين علي بن الحسين رضي اللّه عنه إلى المسجد ، فسبّه رجل ، فقصده غلمانه ليضربوه ويؤذوه ، فنهاهم زين العابدين وقال : كفّوا أيديكم عنه ! ثم التفت إلى ذلك الرجل وقال : يا هذا أنا أكثر ممّا تقول ، وما لا تعرفه مني أكثر ممّا قد عرفته ، فإن كان لك حاجة في ذكره ذكرته لك ؛ فخجل الرجل واستحيا ، فخلع عليه زين العابدين قميصه وأمر له بألف درهم ، فمضى الرجل وهو يقول : أشهد أن هذا الشاب ولد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ويروى أن زين العابدين استدعى غلاما له وناداه مرتين فلم يجبه ، فقال له زين العابدين : أما سمعت ندائي ؟ فقال : بلى قد سمعت ، قال : فما حملك على تركك إجابتي عليّ ؟ قال : أمنت منك وعرفت طهارة أخلاقك فتكاسلت ، فقال : الحمد للّه الذي أمن مني عبدي . ويروى عنه أنه كان له غلام فعمد إلى شاة فكسر رجلها ، فقال له : لم فعلت هذا ؟ قال : فعلته عمدا لأغيظك ، قال : ما أنا أغيظ من الذي علمك وهو إبليس ، اذهب فأنت حرّ لوجه اللّه تعالى !
--> ( 1 ) في صحيح البخاري [ جزء 5 - صفحة 2267 ] رقم 5763 - وصحيح مسلم [ جزء 4 - صفحة 2014 ] رقم 2609 ، بلفظ : ( ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) .