الغزالي

29

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

مرعىّ مخضرّا فأكلت كثيرا حتى سمنت فكان سمنها سبب هلاكها ، لأنها بذلك السمن تذبح وتؤكل » . وفي التوراة : كل ظلم علمه السلطان من عماله فسكت عنه كان ذلك الظلم منسوبا إليه وأخذ به وعوقب عليه . وينبغي للوالي أن يعلم أنه ليس أحد أشدّ غبنا ممّن باع دينه وآخرته بدنيا غيره . وأكثر الناس في خدمة شهواتهم ، فإنهم يستنبطون الحيل ليصلوا إلى مرادهم من الشهوات . وكذلك العمّال ، لأجل نصيبهم من الدّنيا يغرون الوالي ويحسّنون الظلم عنده فيلقونه في النار ليصلوا إلى أغراضهم . وأيّ عدوّ أشدّ عداوة ممّن يسعى في هلاكك وهلاك نفسه لأجل درهم يكتسبه ويحصله ؟ وفي الجملة ينبغي لمن أراد حفظ العدل على الرعية أن يرتّب غلمانه وعمّاله للعدل ، ويحفظ أحوال العمار ، وينظر فيها كما ينظر في أحوال أهله وأولاده ومنزله ، ولا يتم له ذلك إلّا بحفظ العدل أولا من باطنه ؛ وذلك أن لا يسلّط شهوته وغضبه على عقله ودينه ، ولا يجعل عقله ودينه أسرى شهوته وغضبه بل يجعل شهوته وغضبه أسرى عقله ودينه . ويجب أن يعلم أن العقل من جوهر الملائكة ومن جند الباري - جلّت قدرته - وأن الشهوة والغضب من جند الشيطان ؛ فمن يجعل جند اللّه وملائكته أسرى جند الشيطان كيف يعدل في غيرهم ؟ وأول ما تظهر شمس العدل في الصدر ، ثم ينشر نورها في أهل البيت وخواص الملك فيصل شعاعها إلى الرعية ، ومن طلب الشعاع في غير الشمس فقد طلب المحال ، وطمع فيما لا ينال . واعلم أيها السلطان وتبيّن أن ظهور العدل من كمال العقل ، وكمال العقل أن ترى الأشياء على ما هي ، وتدرك حقائق باطنها ولا تغتر بمظاهرها . مثلا : إذا كنت تجور على الناس لأجل الدّنيا فينبغي أن تنظر أي شيء مقصودك من الدّنيا : فإن كان مقصودك من الدّنيا أكل الطعام الطيب فيجب أن تعلم أن هذه شهوة بهيمة في صورة آدمي ؛ لأن الشهوة إلى الأكل من طباع البهائم . وإن كان مقصودك لبس التاج ، فإنك امرأة في صورة رجل ؛ لأن التزيّن والرعونة من أعمال النساء . وإن كان مقصودك أن تمضي غضبك على أعدائك ، فأنت أسد أو سبع في صورة آدمي ؛ لأن إحضار الغضب للقلب من طباع السباع .