الغزالي
26
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
الأصل الثاني أن يشتاق أبدا إلى رؤية العلماء ويحرص على استماع نصحهم وأن يحذر من علماء السوء الذين يحرصون على الدّنيا ، فإنّهم يثنون عليك ويغرونك ويطلبون رضاك طمعا فيما في يديك من خبث الحطام ووبيل الحرام ، ليحصلوا منه شيئا بالمكر والحيل . والعالم هو الذي لا يطمع فيما عندك من المال ، ومنصفك في الوعظ والمقال ، كما يقال : أن شقيقا البلخي دخل على هارون الرشيد فقال له : أنت شقيق الزاهد ؟ فقال : أنا شقيق ولست بزاهد . فقال له : أوصني ! فقال : إن اللّه تعالى قد أجلسك مكان الصدّيق ، وإنه يطلب منك مثل صدقه . وإنه أعطاك موضع عمر بن الخطّاب الفاروق ، وإنه يطلب منك الفرق بين الحق والباطل مثله . وإنه أقعدك موضع عثمان بن عفّان ذي النورين وهو يطلب منك مثل حيائه وكرمه . وأعطاك موضع علي بن أبي طالب وهو يطلب منك العلم والعدل كما يطلب منه . فقال له : زدني من وصيتك ! فقال : نعم ، اعلم أن للّه تعالى دارا تعرف بجهنم ، وأنه قد جعلك بوّاب تلك الدار ، وأعطاك ثلاثة أشياء : بيت المال والسوط والسيف . وأمرك أن تمنع الخلق من دخول النار بهذه الثلاثة ، فمن جاء محتاجا فلا تمنعه من بيت المال ، ومن خالف أمر ربه فأدّبه بالسوط ، ومن قتل نفسا بغير حق فاقتله بالسيف بإذن وليّ المقتول ؛ فإن لم تفعل ما أمرك فأنت الزعيم لأهل النار ، والمتقدّم إلى دار البوار . فقال له : زدني ! فقال : إنّما مثلك كمثل معين الماء ، وسائر العلماء في العالم كمثل السواقي ، فإذا كان المعين صافيا لا يضرّ كدر السواقي ، وإذا كان المعين كدرا لا ينفع صفاء السواقي . حكاية : خرج هارون الرشيد والعباس ليلا إلى زيارة الفضيل بن عياض ، فلمّا وصلا إلى بابه وجداه يتلو هذه الآية : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [ الجاثية : 21 ] . ومعناها : أيظن الذين اكتسبوا الخطايا ويعملون الأعمال المذمومة أن نسوي بينهم في الآخرة وبين الذين يعملون الخيرات وهم مؤمنون ؟ كلا ! ساء ما يحكمون . فقال هارون : إن كنّا جئنا للموعظة فكفى بهذه موعظة . ثم أمر العباس أن يطرق عليه الباب ، فطرق بابه فقال : افتح الباب لأمير المؤمنين ! فقال الفضيل : ما يصنع عندي أمير المؤمنين ؟ فقال : أطع أمير المؤمنين وافتح الباب - وكان ليلا والمصباح يتّقد - فأطفأه وفتح الباب ، فدخل الرشيد وجعل