الغزالي

17

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

الأصل التاسع في ذكر الآخرة وأنه تعالى خلق العالم من نوعين : جسد وروح ؛ وجعل الجسد منزلا للروح لتأخذ زادا لآخرتها من هذا العالم ، وجعل لكلّ روح مدة مقدّرة تكون في الجسد ، فآخر تلك المدة هو أجل تلك الروح من غير زيادة ولا نقصان ، فإذا جاء الأجل فرّق بين الروح والجسد . وإذا وضع الميت في قبره أعيدت روحه إلى جسده ليجيب سؤال منكر ونكير ؛ وهما شخصان هائلان عظيمان ، فيسألانه : من ربك ومن نبيك ؟ فإن استعجم ولم يجب عذّباه وملآ قبره حيّات وعقارب . ويوم القيامة ، يوم الحساب والمكافأة والمناقشة والمجازاة ، تردّ الروح إلى الجسد وتنشر الصحف وتعرض الأعمال على الخلائق ، فينظر كل إنسان في كتابه فيرى أعماله ، ويشاهد أفعاله ، ويعلم مقدار طاعته ومعصيته ، وتوزن أعماله في ميزان الأعمال ثم يؤمر بالجواز على الصراط . والصراط أدق من الشعرة وأحدّ من الشفرة ، فكل من كان في هذا العالم على الطريقة المستقيمة الصالحة ، وسلوك المحجّة الواضحة ، عبر على الصراط وجازه في راحة واستراحة . وإن لم يكن على السيرة المحمودة ، والأعمال الصالحة الرشيدة ، وعصى مولاه ، واتّبع هواه ، فإنه لا يجد الطريق على الصراط ، ولا يهتدي إلى الجواز ويقع في جهنم . والكلّ يوقفون على الصراط ويسألون عن أفعالهم ؛ فيسأل الصادقون عن صدقهم ، ويمتحن المراءون والمنافقون ويفضحون ، فمن الناس قوم يدخلون الجنّة بغير حساب ، وجماعة يحاسبون بالرفق والمسامحة ، وجماعة يحاسبون بالصعوبة والمناقشة والمحاققة . ثم يسحب الكفّار إلى نار جهنّم بحيث لا يجدون خلاصا . ويدخل أهل الإسلام المطيعون إلى الجنّة ، ويؤمر بالعصاة إلى النار . وكل من نالته شفاعة الأنبياء والعلماء والأكابر عفي عنه ، وكل من ليس له شفيع عوقب بمقدار إثمه وعذّب بقدر جرمه ، ثم يدخل الجنّة إن كان قد سلم معه إيمانه . * * *