الغزالي
12
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
الإيمان في صفاء صدرك ، وأودعه في قلبك وسرك ، ومكّنك من تربية ذلك البذر ، وأمرك أن تسقيه ماء الطاعة حتى تصير شجرة أصلها في قعر الأرض السفلى ، وفرعها في السماوات العلى ، كما قال عز من قائل : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ [ إبراهيم : 24 ] . وإذا لم يثبت أصل الشجرة بالإيمان ولم يكمل فرعها ، يخاف عليها من هبوب رياح الموت ، وعواصف الفوت ، فتنقلع عند النفس الأخير ، فيبقى العبد والعياذ باللّه بغير إيمان ، ويلقى ربه بغير إحسان . واعلم أيها الملك أن لهذه الشجرة عشرة أصول وعشرة فروع ؛ فأصلها الاعتقاد بالجنان ، وفرعها العمل بالأركان . ولمّا صادف القبول من المجلس العالي شرح هذه العشرة أصول والعشرة فروع ؛ ليشتغل سلطان العالم بتربية هذه الشجرة ، وإنّما يصحّ له ذلك إذا أفرد يوما من أيام الأسبوع لعبادة ربّه والاشتغال فيه بعمل الآخرة وهو يوم الجمعة ، فإنه عيد المؤمنين ، وفيه ساعة شريفة كل من سأل اللّه تعالى فيها حاجة بنية حاضرة ، وسريرة طاهرة ، فإنه جلّ ذكره يقضي حاجته ، ولا يخيب دعوته « 1 » . وما ذا عليك إذا أفردت من سبعة أيام يوما واحدا لخدمة ربك ، فإنه في المثل : لو كان لك عبد وأمرته أن يشتغل في كل أسبوع يوما واحدا بخدمتك ، ليتأهب له مع تقصيره في الأيام الستّة ، فخالفك ذلك العبد ، كيف يكون حاله عندك ، مع أن العبد لست بخالقه وإنّما هو عبد لك مجازا ؟ وأنت أيها الملك عبد مخلوق للخالق تعالى ، وعبده على الحقيقة ، فلم ترضى من نفسك ما لا ترضاه من عبدك ؟ فانو الصيام من ليلة الجمعة ، وإن أضفت إليه الخميس كان أولى ؛ وقم يوم الجمعة صبحا ، واغتسل والبس من الثياب ما له ثلاث صفات : 1 - أن يكون حلالا . 2 - وأن لا يكون إبريسما . 3 - وأن يكون ممّا تجوز فيه الصلاة ؛ في الصيف الدّبيقي والقصب والكتان والتوزري ، وفي الشتاء الخزّ والصوف الرومي ؛ وكل ثوب على غير هذه الصفة
--> ( 1 ) انظر سنن أبي داود 1 / 274 ، باب تفريع أبواب الجمعة ، باب فضل يوم الجمعة وليلة الجمعة ، رقم ( 1046 ) عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة . . . وفيه ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل اللّه حاجة إلا أعطاه » .