الغزالي

119

التبر المسبوك في نصيحة الملوك

الباب السابع في ذكر النساء خير النساء وأبركهن الحسناء الولود الخفيفة المهر . قال عليه الصلاة والسلام : « عليكم بالمرأة الحرة فإنها أطهر وأبرك » . وقال عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه : التجئوا إلى اللّه عزّ وجلّ من شرار النساء ، واحذروا خيارهن ! . قال صاحب الكتاب : من أراد صلاحه وتدبيره ولم يجد المرأة الحسناء يلهو بها فعليه بالمرأة الدينة ، فذات الدين خير وأبرك ، وإذا جاءت الديانة أتى المال وكان أبرك ؛ لأن المرأة التي لا دين لها فما لها أصل ولا معها بركة ، وببركة الديانة يوجد كل خير ، كما في الحكاية : حكاية : كان بمدينة مرو رجل اسمه نوح بن مريم ، وكان رئيس مرو وقاضيها ، وكان له نعمة كبيرة وحال موفورة ، وكانت له ابنة ذات حسن وبهاء وكمال ، قد خطبها جماعة من الأكابر والرؤساء وذوي النعمة والثروة ، فلم ينعم بها لأحد منهم ، وتحيّر في أمرها ولم يدر لأيّهم يزوّجها ، وقال : إن زوجتها لفلان أسخطت فلانا . وكان له غلام هندي تقي اسمه مبارك ، وكان له كرم عامر الأشجار والفاكهة والثمار ، فقال للغلام : أريد أن تمضي وتحفظ الكرم . فمضى الغلام وأقام في الكرم شهرا ، فجاء سيده في بعض الأيام إلى الكرم لينظره فقال له : يا مبارك ناولني عنقود عنب ! فناوله عنقودا من العنب فوجده حامضا ، فقال له سيده : أعطني غير هذا ! فناوله عنقودا فوجده حامضا ، فقال له سيده : ما السبب في أنك لا تناولني من هذا الكثير غير الحامض ؟ فقال : لأني لا أعلم أحامض هو أم حلو . فقال له سيده : سبحان اللّه ! لك في هذا الكرم شهر كامل ما تعرف الحامض من الحلو ؟ فقال : وحقّك أيها السيد إنني ما ذقته ولم أعلم أحامض أم حلو . فقال له : لم لا أكلت منه ؟ فقال : لأنك أمرتني بحفظه ولم تأمرني بأكله ، فما كنت أخونك . فعجب القاضي منه فقال له : حفظ اللّه عليك أمانتك . وعلم القاضي أن الغلام غزير العقل فقال له القاضي : أيها الغلام قد وقع لي رغبة فيك ، وينبغي أن تفعل ما آمرك به ؛ فقال الغلام : أنا مطيع للّه ولك . فقال القاضي : اعلم أن لي بنتا جميلة وقد خطبها كثير من الرؤساء