الغزالي
100
التبر المسبوك في نصيحة الملوك
الرجلين الكريمين المحتشمين الزعيمين السيدين ، وإلى سمو همّتهما بما ذا عاملاه ، وبما ذا قابلاه ، ولم يريا في مروءتهما عقوبته وعذابه ، ونال من بركتهما طلابه ، وتخلّص من شدّة زمانه وضائقته ، وأفلت من شرّ محنته ، وعاد ذا نعمة سنية ورتبة علية ، وحصل بجميل الذكر على جزيل الأجر . حكاية : يقال إنه تفاخر عبدان : عبد لبني هاشم وعبد لبني أمية ، فكلّ واحد منهما قال : موالي أكرم من مواليك ، فقالا : نمضي ونجرب . فمضى مولى بني أمية إلى واحد من مواليه وشكا حالته وضائقته وتألّم من فاقته ، فأعطاه عشرة آلاف درهم ، حتى طاف على عشرة من مواليه فاجتمع له مائة ألف درهم ، فأخذها وأحضرها بين يدي مولى بني هاشم وقال ؛ امض أنت إلى بني هاشم وجربهم وانظر كرمهم ! فأتى مولى بني هاشم إلى الحسين بن علي رضي اللّه عنهما ، وشكا حاله وذكر فقره وما أفضى به الحال إليه ، فأمر له بمائة ألف درهم ، ثم مضى إلى عبد اللّه بن جعفر وشكا إليه فأعطاه مائة ألف درهم ، ثم مضى إلى عبد اللّه بن ربيعة فأعطاه مائة ألف درهم ، فمضى بالمال إلى مولى بني أمية وقال له : إن مواليك تعلّموا الكرم من موالي ، ولكن عد بنا إليهم لنجربهم ثانيا ونعيد المال إليهم ! فمضى مولى بني أمية إلى مواليه وقال لهم : قد استغنيت عن هذا المال ، وقد سهّل اللّه تعالى لي من مكان ما أسدّ به فقري ، ولم يبق لي في هذه الدراهم حاجة ، وقد أعدتها ؛ فأخذ كل واحد منهم دراهمه . وحمل مولى بني هاشم الدراهم إلى مواليه وقال لهم : قد تيسّر لي من مكان ما زالت به حاجتي وانقضت ، وقد أعدت المال الذي أخذت منكم فاستعيدوه ؛ فقالوا : نحن لا نأخذ شيئا قد وهبناه ، ولا تعود هباتنا تختلط بأموالنا . حكمة : قال بعض الحكماء : إجلال الأكابر من الكرم وحسن الخلال ، واحتقار الناس من لؤم الأصل وقبح الخلال ، والهمّة بغير آلة خفة ، وإنّما الهمّة مع الجدّ تجمل وتلطف ، وتحسن وتظرف ؛ لأن الرجل إذا كان ذا همّة وجدّة غير مساعد ، لم يكن له من همّته سوى الانحطاط ؛ لأنه يجب أن تكون الهمّة علوية والجدّ عاليا . وقد قيل أيضا : الكلام بالدرجة والعمل بالقدرة . وينبغي أن تكون الهمّة إلى بغداد والزاد إلى فرسخين وكذا الجلال . حكاية : كان عبد العزيز بن مروان أميرا بمصر ، فركب ذات يوم واجتاز بموضع ، وإذا