الجاحظ
29
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
وحدثني بعض أصحابنا قال : كنا منقطعين إلى رجل من كبار أهل العسكر ، وكان لبثنا يطول عنده ، فقال له بعضنا : إن رأيت أن تجعل لنا إمارة إذا ظهرت لنا خففنا عنك ولم نتبعك بالقعود ، فقد قال أصحاب معاوية لمعاوية مثل الذي قلنا لك فقال : أمارة ذلك أن أقول إذا شئتم . وقيل ليزيد مثل ذلك فقال : إذا قلت على بركة اللّه . وقيل لعبد الملك مثل ذلك فقال : إذا ألقيت الخيزرانة من يدي . فأيّ شيء تجعل لنا أصلحك اللّه ؟ قال : إذا قلت يا غلام الغداء . وفي الحديث أن رجلا ألحّ على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في طلب بعض المغنم وفي يده مخصرة ، فدفعه بها ، فقال يا رسول اللّه أقصني . فلما كشف النبي له عن بطنه احتضنه فقبل بطنه . وفي تثبيت شأن العصا وتعظيم أمرها ، والطعن على من ذم عاملها ، قالوا : كانت لعبد اللّه بن مسعود عشر خصال : أولها السواد ، وهو سرار النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . فقال له النبي : « إذنك علي أن يرفع الحجاب ، وتسمع سوادي » . وكان معه مسواك النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانت معه عصاه . قال ودخل عمير بن سعد على عمر بن الخطاب ، حين رجع إليه من عمل حمص ، وليس معه إلا جراب وإداوة وقصعة وعصا ، فقال له عمر : ما الذي أرى بك ، من سوء الحال أو تصنع ؟ قال : وما الذي ترى بي ، ألست صحيح البدن ، معي الدنيا بحذافيرها ؟ قال : وما معك من الدنيا ؟ قال : معي جرابي أحمل فيه زادي ، ومعي قصعتي أغسل فيها ثوبي ، ومعي إداوتي أحمل فيها مائي لشرابي ، ومعي عصاي إن لقيت عدوا قاتلته ، وإن لقيت حية قتلتها ، وما بقي من الدنيا فهو تبع لما معي . وقال الهيثم بن عدي ، عن شرقي بن القطامي وسأله سائل عن قول الشاعر : لا تعدلنّ أتاويين تضربهم * نكباء صر بأصحاب المحلات « 1 »
--> ( 1 ) الأتاوي : الغريب في غير وطنه . النكباء : أي ريح من الرياح الأربع .