الجاحظ

84

البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )

أيها الناس ، إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان لا يتأخر ولا يتقدم إلا بإذن اللّه وأمره ووحيه ، أنزل اللّه كتابا بيّن له فيه ما يأتي وما يتقي ، ولم يك في شك من دينه ، ولا في شبهة من أمره ، ثم قبضه اللّه وقد علّم المسلمين معالم دينهم ، وولى أبا بكر صلاتهم ، فولاه المسلمون أمر دنياهم حين ولاه رسول اللّه أمر دينهم ، فقاتل أهل الردّة ، وعمل بالكتاب والسنة ، فمضى لسبيله رحمة اللّه عليه . ثم ولي عمر بن الخطاب رحمه اللّه ، فسار بسيرة صاحبه ، وعمل بالكتاب والسنة ، وجبى الفيء ، وفرض الأعطية ، وجمع الناس في شهر رمضان ، وجلد في الخمر ثمانين ، وغزا العدو في بلادهم ، ومضى لسبيله رحمة اللّه عليه . ثم ولي عثمان بن عفان فسار ستّ سنين بسيرة صاحبيه ، وكان دونهما ثم سار في الست الأواخر بما أحبط به الأوائل ، ثم مضى لسبيله . ثم ولي عليّ بن أبي طالب ، فلم يبلغ من الحق قصدا ، ولم يرفع له منارا ، ثم مضى لسبيله . ثم ولي معاوية بن أبي سفيان لعين رسول اللّه وابن لعينه ، فاتخذ عباد اللّه خولا ، ومال اللّه دولا ، ودينه دغلا ، ثم مضى لسبيله ، فالعنوه لعنة اللّه . ثم ولي يزيد بن معاوية ، ويزيد الخمور ، ويزيد القرود ، ويزيد الفهود ، الفاسق في بطنه ، المأبون في فرجه ، فعليه لعنة اللّه وملائكته . ثم اقتصهم خليفة خليفة ، فلما انتهى إلى عمر بن عبد العزيز أعرض عنه ، ولم يذكره . ثم قال : ثم ولي يزيد بن عبد الملك الفاسق في دينه ، المأبون في فرجه ، الذي لم يؤنس منه رشد ، وقد قال اللّه تعالى في أموال اليتامى : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ ، فأمر أمة محمد عليه السلام أعظم . يأكل الحرام ويشرب الخمر ، ويلبس الحلة قوّمت بألف دينار ، قد ضربت فيها