الجاحظ
81
البيان والتبيين ( ط مكتبة الهلال )
في المنازل والرأي مختلفون ، والعرب بشرّ تلك المنازل ، أهل الوبر وأهل المدر ، تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاغة عيشها « 1 » : ميتهم في النار وحيهم أعمى . مع ما لا يحصى من المرغوب عنه ، والمزهود فيه . فلما أراد اللّه أن ينشر فيهم رحمته ، ويسبغ عليهم نعمته ، بعث إليهم رسولا منهم عزيزا عليه ما عنتوا ، حريصا عليهم ، بالمؤمنين رؤوفا رحيما ، فلم يمنعهم ذلك من أن جرحوه في جسمه ، ولقبوه في اسمه ، ومعه كتاب من اللّه ناطق ، وبرهان من اللّه صادق ، لا يرحل إلا بأمره ، ولا ينزل إلا بإذنه . واضطروه إلى بطن غار ، فلما أمر بالعزم أسفر لأمر اللّه لونه ، فأفلج اللّه حجته ، وأعلى كلمته وأظهر دعوته ، ففارق الدنيا نقيا تقيا ، مباركا مرضيا . صلّى اللّه عليه وسلّم . ثم قام بعده أبو بكر رحمه اللّه ، فسلك سنته ، وأخذ بسبيله ، وارتدّت العرب ، فلم يقبل منهم بعد رسول اللّه إلا الذي كان قابلا منهم ، فانتضى السيوف من أغمادها ، وأوقد النيران من شعلها ، ثم ركب بأهل الحق أهل الباطل ، فلم يبرح يفصل أوصالهم ، ويسقي الأرض دماءهم ، حتى أدخلهم في الذي خرجوا عنه ، وقررهم بالذي نفروا منه . وقد كان أصاب من مال اللّه بكرا يرتوي عليه ، وحبشية ترضع ولدا له ، فرأى ذلك غصة عند موته في حلقه ، فأدى ذلك إلى الخليفة من بعده ، وبرئ إليهم منه ، وفارق الدنيا نقيا تقيا ، على منهاج صاحبه ، رحمه اللّه . ثم قام من بعده عمر بن الخطاب رحمه اللّه ، فمصّر الأمصار ، وخلط الشدة باللين ، فحسر عن ذراعيه ، وشمر عن ساقيه ، وأعدّ للأمور أقرانها ، وللحرب آلتها ، فلما أصابه فتى المغيرة بن شعبة ، أمر ابن عباس أن يسأل الناس هل يثبتون قاتله ، فلما قيل له : فتى المغيرة ، استهل بحمد اللّه ألا يكون اصابه ذو حق في الفيء فيستحل دمه بما استحل من حقه . وقد كان أصاب من مال اللّه بضعا وثمانين ألفا ، فكسر رباعه ، وكره بها كفالة أهله
--> ( 1 ) الرفاغة : سعة العيش .